الصفحة 8 من 9

بِالْأَدَاءِ عَنْهُ . فَكَيْفَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَدَاءُ وَاجِبًا عَلَيْهِ ؛ بَلْ قَدْ أُكْرِهَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ رَجَعَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ بِسَبَبِهِ أُكْرِهَ ذَاكَ وَأُخِذَ مَالُهُ . وَهَذَا كَمَنْ صُودِرَ عَلَى مَالٍ فَأُكْرِهُ أَقَارِبُهُ أَوْ جِيرَانُهُ أَوْ أَصْدِقَاؤُهُ أَوْ شُرَكَاؤُهُ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْهُ وَيَرْجِعُوا عَلَيْهِ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ ؛ فَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ إنَّمَا أُخِذَتْ بِسَبَبِهِ وَبِسَبَبِ الدَّفْعِ عَنْهُ . فَإِنَّ الْآخِذَ مِنْهُ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ ظَالِمٌ كَمَا يُصَادِرُ وُلَاةُ الْأُمُورِ بَعْضَ نُوَّابِهِمْ وَيَقُولُونَ: إنَّهُمْ أَخَذُوا مِنْ الْأَمْوَالِ أَكْثَرَ مِمَّا صُودِرُوا عَلَيْهِ ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ مَالٍ كَثِيرٍ فَيَطْلُبَ مِنْهُ الطَّالِبُ مَا يَقُولُ: إنَّهُ يَنُوبُ مَالَهُ . فَأَقَارِبُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ أُخِذَ مَالُهُ بِسَبَبِ مَالِ هَذَا أَوْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِ ؛ إنَّمَا ظُلِمُوا لِأَجْلِهِ وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ لِأَجْلِ مَالِهِ وَصِيَانَةً لِمَالِهِ وَالطَّالِبُ إنَّمَا مَقْصُودُهُ مَالُهُ لَا أَمْوَالُ أُولَئِكَ وَشُبْهَتُهُ وَإِرَادَتُهُ إنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَالِهِ دُونَ أَمْوَالِهِمْ . فَكَيْفَ تَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ هَدَرًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُمْ وَيَبْقَى مَالُ هَذَا مَحْفُوظًا وَهُوَ الَّذِي طُولِبُوا لِأَجْلِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤَدُّونَ عَنْ غَيْرِهِمْ الرُّجُوعَ لَحَصَلَ فَسَادٌ كَثِيرٌ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ وَالْأَمْوَالَ قَدْ يَعْتَرِيهَا مِنْ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِأَدَاءِ مَالٍ عَنْهُمْ فَلَوْ عَلِمَ الْمُؤَدُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّجُوعَ بِمَا أَدَّوْهُ إلَّا إذَا أَذِنَ ذَلِكَ الشَّخْصُ لَمْ يُؤَدُّوا وَهُوَ قَدْ لَا يَأْذَنُ ؛ إمَّا لِتَغَيُّبِهِ أَوْ لِحَبْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِمَّا لِظُلْمِهِ نَفْسَهُ وَتَمَادِيهِ عَلَى مَا يَضُرُّ نَفْسَهُ وَمَالَهُ سَفَهًا مِنْهُ وَظُلْمًا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ تَحْتَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَضُرَّ نَفْسَهُ وَمَالَهُ ضَرَرًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ دَفَعَ ذَلِكَ الضَّرَرَ الْعَظِيمَ عَنْهُ بِمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهِ وَفِي فِطَرِ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يُقَابِلْ الْإِحْسَانَ بِالْإِحْسَانِ فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ وَمَا عَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ ظُلْمًا فَهُوَ ظُلْمٌ . كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ . وَأَصْلُ هَذَا اعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَهَذَا الْأَصْلُ قَدْ قُرِّرَ وَبُسِطَ فِي كِتَابِ:"بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ"وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ اللتبية الْعَامِلِ الَّذِي قَبِلَ الْهَدَايَا لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ هَدَايَا فَلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَخَذَ وَأَعْطَى وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ الِاسْتِيفَاءَ كَمَا يُحَاسِبُ الْإِنْسَانُ وَكِيلَهُ وَشَرِيكَهُ عَلَى مَقْبُوضِهِ وَمَصْرُوفِهِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ الْمُسْتَخْرَجَ وَالْمَصْرُوفَ فَقَالَ ابْنُ اللتبية: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: { مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ ؟ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ فَيَغُلَّ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْت ؟ } أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ . فَلَمَّا كَانَ الْمُعْطُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت