وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الْعُقُولُ الْعَشْرَةُ أَوْ الْقُوَى الصَّالِحَةُ فِي النَّفْسِ وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ هِيَ الْقُوَى الْخَبِيثَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا عُرِفَ فَسَادُهُ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ ؛ بَلْ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ . فَإِذَا كَانَ شِرْكُ هَؤُلَاءِ وَكُفْرُهُمْ أَعْظَمَ مِنْ شِرْكِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكُفْرِهِمْ فَأَيُّ كَمَالٍ لِلنَّفْسِ فِي هَذِهِ الْجَهَالَاتِ . وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُفْتَقِرٌ إلَى بَسْطٍ كَثِيرٍ . وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ مَا ادَّعَوْا فِي الْبُرْهَانِ الْمَنْطِقِيِّ . وَ ( أَيْضًا فَإِذَا قَالُوا: إنَّ الْعُلُومَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْبُرْهَانِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ قِيَاسٌ شُمُولِيٌّ وَعِنْدَهُمْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا إنَّهُ لَا نِتَاجَ عَنْ قَضِيَّتَيْنِ سَالِبَتَيْنِ وَلَا جُزْئِيَّتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ لَا بِحَسَبِ صُورَتِهِ - كَالْحَمْلِيِّ وَالشَّرْطِيِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ - وَلَا بِحَسَبِ مَادَّتِهِ لَا الْبُرْهَانِيِّ وَلَا الْخَطَابِيِّ وَلَا الْجَدَلِيِّ بَلْ وَلَا الشِّعْرِيِّ . فَيُقَالُ: إذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي كُلِّ مَا يُسَمُّونَهُ بُرْهَانًا مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: أَيْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا كُلِّيَّةً وَإِلَّا فَمَتَى جُوِّزَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَكُونُ كُلِّيَّةً بَلْ جُزْئِيَّةً لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِمُوجَبِهَا . وَالْمُهْمَلَةُ وَالْمُطْلَقَةُ الَّتِي يَحْتَمِلُ لَفْظُهَا أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً وَجُزْئِيَّةً فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالْقِيَاسِ الَّذِي يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْبُرْهَانِ مِنْ الْعِلْمِ بِقَضِيَّةِ كُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ فَيُقَالُ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ إنْ كَانَ بَدِيهِيًّا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا بَدِيهِيًّا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ نَظَرِيًّا احْتَاجَ إلَى عِلْمٍ بَدِيهِيٍّ فَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ الْمُعْيِي أَوْ التَّسَلْسُلِ فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ . وَهَكَذَا يُقَالُ فِي سَائِرِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا مَبَادِئَ الْبُرْهَانِ وَيُسَمُّونَهَا"الْوَاجِبُ قَبُولُهَا"سَوَاءٌ كَانَتْ حِسِّيَّةً ظَاهِرَةً أَوْ بَاطِنَةً وَهِيَ الَّتِي يُحِسُّهَا بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَتْ مِنْ التَّجْرِيبِيَّاتِ أَوْ الْمُتَوَاتِرَاتِ أَوْ الْحَدْسِيَّاتِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ النَّفْسِيَّاتِ الْوَاجِبِ قَبُولُهَا مِثْلَ الْعِلْمِ بِكَوْنِ نُورِ الْقَمَرِ مُسْتَفَادًا مِنْ الشَّمْسِ إذَا رَأَى اخْتِلَافَ أَشْكَالِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ مُحَاذَاتِهِ لِلشَّمْسِ كَمَا يَخْتَلِفُ إذَا قَارَبَهَا بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْهِلَالِ وَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الِاسْتِقْبَالِ عِنْدَ الْإِبْدَارِ . وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ: هَلْ الْحَدْسُ قَدْ يُفِيدُ الْيَقِينَ أَمْ لَا ؟ وَمِثْلَ الْعَقْلِيَّاتِ الْمَحْضَةِ وَمِثْلَ قَوْلِنَا الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالْكُلُّ أَعْظَمُ مِنْ الْجُزْءِ وَالْأَشْيَاءُ الْمُسَاوِيَةُ لِشَيْءِ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَالنَّقِيضَانِ لَا يَرْتَفِعَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فَمَا مِنْ قَضِيَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ تُجْعَلُ مُقَدِّمَةً فِي الْبُرْهَانِ إلَّا وَالْعِلْمُ بِالنَّتِيجَةِ مُمْكِنٌ بِدُونِ تَوَسُّطِ ذَلِكَ الْبُرْهَانِ بَلْ هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا . فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فَهُوَ نِصْفُ كُلِّ اثْنَيْنِ وَأَنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ نِصْفُهُمْ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ نِصْفُ هَذَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَهَلُمَّ جَرًّا فِي سَائِرِ الْقَضَايَا الْأُخَرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ بِدُونِ تَوَسُّطِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ . وَكَذَلِكَ هَذَانِ النَّقِيضَانِ مَنْ تَصَوَّرَهُمَا نَقِيضَيْنِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ . وَكُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا كَمَا يَعْلَمُ الْمُعَيَّنَ الْآخَرَ وَلَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا مَعًا وَكَذَلِكَ