"بَلْ يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ:" { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } "وَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ بِهَذَا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْمُسْكِرَ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ عِنْدَ الشَّارِعِ . وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ عِنْدَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مُسْكِرٍ . وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامَ فِي تَقْرِيرِ"الْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ"بَلْ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّمْثِيلِ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمِثَالَ كَثِيرًا مَا يُمَثِّلُ بِهِ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمَنْطِقِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ . والمنطقيون يُمَثِّلُونَ بِصُورَةِ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الْمَوَادِّ لَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِئَلَّا يُسْتَفَادَ الْعِلْمُ بِالْمِثَالِ مِنْ صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا يَقُولُونَ: كُلُّ أ: بـ وَكُلُّ بـ: ج . فَكُلُّ أ: ج وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعِلْمُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمَوَادِّ الْمُعَيَّنَةِ . فَإِذَا جُرِّدَتْ يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمُعَيَّنَاتِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إذَا طُولِبُوا بِالْعِلْمِ بالمقدمتين الْكُلِّيَّتَيْنِ فِي جَمِيعِ مَطَالِبِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ عَنْ الْمَعْصُومِينَ تَجِدُهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْعِلْمُ فِيهَا بِالْمُعَيَّنَاتِ الْمَطْلُوبَةِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِهَا مَوْقُوفًا عَلَى الْبُرْهَانِ . فَالْقَضَايَا النَّبَوِيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي سَمَّوْهُ بُرْهَانًا . وَمَا يُسْتَفَادُ بِالْعَقْلِ مِنْ الْعُلُومِ أَيْضًا لَا يَحْتَاجُ إلَى قِيَاسِهِمْ الْبُرْهَانِيِّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا فِي السَّمْعِيَّاتِ وَلَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ لَا يَحْصُلُ عِلْمٌ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقَضَايَا الْحِسِّيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا جُزْئِيَّةً فَنَحْنُ لَمْ نُدْرِكْ بِالْحِسِّ إلَّا إحْرَاقَ هَذِهِ النَّارِ وَهَذِهِ النَّارِ لَمْ نُدْرِكْ أَنَّ كُلَّ نَارٍ مُحْرِقَةٌ فَإِذَا جَعَلْنَا هَذِهِ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً وَقُلْنَا: كُلُّ نَارٍ مُحْرِقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَنَا طَرِيقٌ نَعْلَمُ بِهِ صِدْقَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ عِلْمًا يَقِينِيًّا إلَّا وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْأَعْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ الْعِلْمَ بِالْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ ؛ فَإِنَّ الْبُرْهَانَ لَا يُفِيدُ إلَّا الْعِلْمَ بِقَضِيَّةِ كُلِّيَّةٍ فَالنَّتَائِجُ الْمَعْلُومَةُ بِالْبُرْهَانِ لَا تَكُونُ إلَّا كُلِّيَّةً كَمَا يَقُولُونَ هُمْ ذَلِكَ . وَالْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . قِيلَ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يُفِيدُ الْبُرْهَانُ الْعِلْمَ بِشَيْءِ مَوْجُودٍ ؛ بَلْ بِأُمُورِ مُقَدَّرَةٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا يُعْلَمُ تَحَقُّقُهَا فِي الْأَعْيَانِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبُرْهَانِ عِلْمٌ بِمَوْجُودِ فَيَكُونُ قَلِيلَ الْمَنْفَعَةِ جِدًّا ؛ بَلْ عَدِيمَ الْمَنْفَعَةِ . وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ بَلْ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْعِلْمِ بِالْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَلَكِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . أَنَّ الْمَطَالِبَ الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ اللَّازِمَةِ بَلْ الْأَكْثَرِيَّةِ لَا تُفِيدُ مَقْصُودَ الْبُرْهَانِ ."