الصفحة 41 من 87

الْقِيَاسِ قَوْلٌ زَائِدٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْ الْقِيَاسِ إمَّا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْقِيَاسِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْقِيَاسِ إمَّا لِتَرْوِيجِ الْكَلَامِ وَتَحْسِينِهِ أَوْ لِبَيَانِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا . وَيُسَمُّونَ هَذَا الْقِيَاسَ الْمُرَكَّبَ . قَالُوا: وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ سِيقَتْ لِبَيَانِ مَطْلُوبٍ وَاحِدٍ ؛ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُبَيِّنَ لِلْمَطْلُوبِ بِالذَّاتِ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا وَاحِدًا وَالْبَاقِي لِبَيَانِ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ . قَالُوا: رُبَّمَا حَذَفُوا بَعْضَ مُقْدِمَاتِ الْقِيَاسِ إمَّا تَعْوِيلًا عَلَى فَهْمِ الذِّهْنِ لَهَا أَوْ لِتَرْوِيجِ الْمُغَلِّطَةِ حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَى كَذِبِهَا عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهَا . قَالُوا: ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْأَقْيِسَةُ لِبَيَانِ الْمُقَدِّمَاتِ قَدْ صُرِّحَ فِيهَا بِنَتَائِجِهَا فَيُسَمَّى الْقِيَاسُ مَفْصُولًا وَإِلَّا فَمَوْصُولٌ . وَمَثَّلُوا الْمَوْصُولَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ وَكُلُّ جِسْمٍ جَوْهَرٌ . فَكُلُّ إنْسَانٍ جَوْهَرٌ . وَالْمَفْصُولُ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ فَكُلُّ إنْسَانٍ جِسْمٌ ثُمَّ يَقُولُ كُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ وَكُلُّ جِسْمٍ جَوْهَرٌ فَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ فَيَلْزَمُ مِنْهُمَا أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ جَوْهَرٌ . فَيُقَالُ لَهُمْ: أَمَّا الْمَطْلُوبُ الَّذِي لَا يَزِيدُ عَلَى جُزْأَيْنِ فَذَاكَ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ . وَالْمَطْلُوبُ فِي الْعَقْلِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ وَهُوَ ثُبُوتُ النِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ أَوْ انْتِفَاؤُهَا . وَإِنْ شِئْت قُلْت: اتِّصَافُ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا وَإِنْ شِئْت قُلْت: نِسْبَةُ الْمَحْمُولِ إلَى الْمَوْضُوعِ وَالْخَبَرِ إلَى الْمُبْتَدَأِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الْمَقْصُودِ بِالْقَضِيَّةِ . فَإِذَا كَانَتْ النَّتِيجَةُ أَنَّ النَّبِيذَ حَرَامٌ أَوْ لَيْسَ بِحَرَامِ ؛ أَوْ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ أَوْ لَيْسَ بِحَسَّاسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَالْمَطْلُوبُ ثُبُوتُ التَّحْرِيمِ لِلنَّبِيذِ أَوْ انْتِفَاؤُهُ وَكَذَلِكَ ثُبُوتُ الْحِسِّ لِلْإِنْسَانِ أَوْ انْتِفَاؤُهُ . وَالْمُقَدِّمَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا نَاسَبَتْ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ حَصَلَ بِهَا الْمَقْصُودُ . وَقَوْلُنَا النَّبِيذُ خَمْرٌ يُنَاسِبُ الْمَطْلُوبَ وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ . فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ وَلَكِنْ يَشُكُّ فِي النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى فِي لُغَةِ الشَّارِعِ خَمْرًا ؟ فَقِيلَ النَّبِيذُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } كَانَتْ الْقَضِيَّةُ وَهِيَ قَوْلُنَا: قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } يُفِيدُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ ؛ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ قَوْلِهِ قَدْ تَضَمَّنَ قَضِيَّةً أُخْرَى . وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْمُسْتَمِعِ وَهِيَ أَنَّ مَا صَحَّحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فَقَدْ وَجَبَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ وَأَنَّ مَا حَرَّمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَلَوْ لَزِمَ أَنْ نَذْكُرَ كُلَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا كَانَتْ الْمُقَدِّمَاتُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ؛ بَلْ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ . وَعَلَى مَا قَالُوهُ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: النَّبِيُّ حَرَّمَ ذَلِكَ وَمَا حَرَّمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ . فَهَذَا حَرَامٌ وَكَذَلِكَ: يَقُولُ النَّبِيُّ أَوْجَبَهُ وَمَا أَوْجَبَهُ النَّبِيُّ فَقَدْ وَجَبَ فَإِذَا احْتَجَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَهُوَ حَرَامٌ . وَإِذَا احْتَجَّ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ بِمِثْلِ قَوْلِ اللَّهِ: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ } يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت