وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ النَّصُّ أَوْ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْفُلَانِيَّةُ أَوْ الْحَدِيثُ الْفُلَانِيُّ ؛ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِيَامُ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ أَوْ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِخَمْرِ الْعِنَبِ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِيمَا يُعَبَّرُ فِيهِ عَنْ الدَّلِيلِ بَاسِمٍ مُفْرَدٍ لَا بِالْقَضِيَّةِ الَّتِي هِيَ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ . ثُمَّ هَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ مُفْرَدٍ هُوَ إذَا فُصِلَ عُبِّرَ عَنْهُ بِأَلْفَاظِ مُتَعَدِّدَةٍ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَكُمْ: إنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي هُوَ الْقِيَاسُ لَا يَكُونُ إلَّا جُزْأَيْنِ فَقَطْ ؛ إنْ أَرَدْتُمْ لَفْظَيْنِ فَقَطْ وَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى لَفْظَيْنِ فَهُوَ أَدِلَّةٌ لَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْمَوْصُوفَ بِصِفَاتِ تَحْتَاجُ كُلُّ صِفَةٍ إلَى دَلِيلٍ . قِيلَ لَكُمْ: وَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي اللَّفْظَيْنِ: هُمَا دَلِيلَانِ لَا دَلِيلٌ وَاحِدٌ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُقَدِّمَةٍ تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُ الْعَدَدِ بِاثْنَيْنِ دُونَ مَا زَادَ تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَفْظِ مُفْرَدٍ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِلَفْظَيْنِ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ أَوْ بِأَرْبَعَةٍ وَأَكْثَرَ فَجَعْلُ الْجَاعِلِ اللَّفْظَيْنِ هُمَا الْأَصْلَ الْوَاجِبَ دُونَ مَا زَادَ وَمَا نَقَصَ وَأَنَّ الزَّائِدَ إنْ كَانَ فِي الْمَطْلُوبِ جُعِلَ مَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةً وَإِنْ كَانَ فِي الدَّلِيلِ تُذْكَرُ مُقَدِّمَاتُ جَعْلِ ذَلِكَ فِي تَقْدِيرِ أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ: بَلْ الْأَصْلُ فِي الْمَطْلُوبِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَدَلِيلَهُ جُزْءًا وَاحِدًا فَإِذَا زَادَ الْمَطْلُوبُ عَلَى ذَلِكَ جَعَلَ مَطْلُوبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً بِحَسَبِ دَلَالَتِهِ وَهَذَا إذَا قِيلَ فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّلِيلِ مُفْرَدٌ فَيُجْعَلُ مَعْنَاهُ مُفْرَدًا وَالْقِيَاسُ هُوَ الدَّلِيلَ . وَلَفْظُ"الْقِيَاسِ"يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ كَمَا يُقَالُ قِسْت هَذَا بِهَذَا وَالتَّقْدِيرُ يَحْصُلُ بِوَاحِدِ ؛ وَإِذَا قُدِّرَ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ يَكُونُ تَقْدِيرَيْنِ وَثَلَاثَةً لَا تَقْدِيرًا وَاحِدًا فَتَكُونُ تِلْكَ التَّقْدِيرَاتُ أَقْيِسَةً لَا قِيَاسًا وَاحِدًا فَجَعْلُهُمْ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَيْنِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي مَعْنَى أَقْيِسَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَا نَقَصَ عَنْ الِاثْنَيْنِ نِصْفَ قِيَاسٍ لَا قِيَاسٌ تَامٌّ ؛ اصْطِلَاحٌ مَحْضٌ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ اللَّازِمَةِ لِلْمَاهِيَّةِ وَالْوُجُودِ بِمِثْلِ هَذَا التَّحَكُّمِ . وَحِينَئِذٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا سَمَّوْهُ حَدًّا وَبُرْهَانًا إلَى حَقِيقَةٍ مَوْجُودَةٍ وَلَا أَمْرٍ مَعْقُولٍ بَلْ إلَى اصْطِلَاحٍ مُجَرَّدٍ كَتَنَازُعِ النَّاسِ فِي"الْعِلَّةِ"هَلْ هِيَ اسْمٌ لِمَا يَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا بِحَالِ فَلَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ وَالتَّخْصِيصَ أَوْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْمَعْلُولِ ؛ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَعْلُولُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ وَكَاصْطِلَاحِ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ فِي تَسْمِيَةِ أَحَدِهِمْ"الدَّلِيلَ"لِمَا هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَدْلُولِ مُطْلَقًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ عَدَمُ الْمُعَارِضِ وَالْآخَرُ يُسَمِّي الدَّلِيلَ لِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتَلْزِمَ الْمَدْلُولَ وَإِنَّمَا يَتَخَلَّفُ اسْتِلْزَامُهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ .