الصفحة 55 من 87

فَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُ وَإِنْ شِئْت قُلْت: إنْ كَانَ إنْسَانًا فَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْإِنْسَانِ ؛ وَإِنْ شِئْت قُلْت: إمَّا أَنْ يَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَّصِفَ وَالثَّانِي بَاطِلٌ ؛ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَازِمَةٌ لِلْإِنْسَانِ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا . وَأَمَّا الِاسْتِقْرَاءُ فَإِنَّمَا يَكُونُ يَقِينِيًّا ؛ إذَا كَانَ اسْتِقْرَاءً تَامًّا . وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ قَدْ حَكَمْت عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِمَا وَجَدْته فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ وَهَذَا لَيْسَ اسْتِدْلَالًا بِجُزْئِيٍّ عَلَى كُلِّيٍّ وَلَا بِخَاصِّ عَلَى عَامٍّ ؛ بَلْ اسْتِدْلَالٌ بِأَحَدِ الْمُتَلَازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا لِذَلِكَ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ . فَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِخَاصِّ جُزْئِيٍّ عَلَى عَامٍّ كُلِّيٍّ لَيْسَ بِحَقِّ ؛ وَكَيْفَ ذَلِكَ . وَالدَّلِيلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَلْزُومًا لِلْمَدْلُولِ ؟ فَإِنَّهُ لَوْ جَازَ وُجُودُ الدَّلِيلِ مَعَ عَدَمِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ ؛ وَلَمْ يَكُنْ الْمَدْلُولُ لَازِمًا لَهُ ؛ لَمْ يَكُنْ إذَا عَلِمْنَا ثُبُوتَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ ؛ نَعْلَمُ ثُبُوتَ الْمَدْلُولِ مَعَهُ ؛ إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ مَعَهُ ؛ وَتَارَةً لَا يَكُونُ مَعَهُ ؛ فَإِنَّا إذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ ؛ ثُمَّ قُلْنَا إنَّهُ مَعَهُ دَائِمًا كُنَّا قَدْ جَمَعْنَا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ . وَهَذَا اللُّزُومُ الَّذِي نَذْكُرُهُ هَهُنَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ اللُّزُومُ . وَكُلَّمَا كَانَ اللُّزُومُ أَقْوَى وَأَتَمَّ وَأَظْهَرَ ؛ كَانَتْ الدَّلَالَةُ أَقْوَى وَأَتَمَّ وَأَظْهَرَ: كَالْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ مَا مِنْهَا مَخْلُوقٌ إلَّا وَهُوَ مَلْزُومٌ لِخَالِقِهِ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِدُونِ وُجُودِ خَالِقِهِ بَلْ وَلَا بِدُونِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ . وَإِذَا كَانَ الْمَدْلُولُ لَازِمًا لِلدَّلِيلِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّازِمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمَلْزُومِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ فَالدَّلِيلُ لَا يَكُونُ إلَّا أَعَمَّ مِنْهُ وَإِذَا قَالُوا فِي الْقِيَاسِ يُسْتَدَلُّ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ فَلَيْسَ الْجُزْئِيُّ هُوَ الْحُكْمَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْجُزْئِيُّ هُوَ الْمَوْصُوفُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْ الدَّلِيلِ وَقَدْ يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهُ بِخِلَافِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ صِيغَةُ هَذَا وَحُكْمُهُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا أَعَمَّ مِنْ الدَّلِيلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَدْلُولُ اللَّازِمُ لِلدَّلِيلِ وَالدَّلِيلُ هُوَ لَازِمٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ الْمَوْصُوفِ . فَإِذَا قِيلَ: النَّبِيذُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ خَمْرٌ فَكَوْنُهُ خَمْرًا هُوَ الدَّلِيلُ وَهُوَ لَازِمٌ لِلنَّبِيذِ وَالتَّحْرِيمُ لَازِمٌ لِلْخَمْرِ وَالْقِيَاس الْمُؤَلَّفُ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ إذَا قُلْت كُلُّ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مُسْكِرٌ أَوْ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ فَأَنْتَ لَمْ تَسْتَدِلّ بِالْمُسْكِرِ أَوْ الْخَمْرِ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ عَلَى نَفْسِ مَحَلِّ النِّزَاعِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ فَلَيْسَ هُوَ اسْتِدْلَالًا بِذَلِكَ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ بَلْ اسْتَدْلَلْت بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا النَّبِيذِ فَلَمَّا كَانَ تَحْرِيمُ هَذَا النَّبِيذِ مُنْدَرِجًا فِي تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ قَالَ: مَنْ قَالَ إنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ . وَ"التَّحْقِيقُ"أَنَّ مَا ثَبَتَ لِلْكُلِّيِّ فَقَدْ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ وَالتَّحْرِيمُ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْخَمْرِ وَهُوَ ثَابِتٌ لَهَا فَهُوَ ثَابِتٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِكُلِّيٍّ عَلَى ثُبُوتِ كُلِّيٍّ آخَرَ لِجُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ . وَذَلِكَ الدَّلِيلُ هُوَ كَالْجُزْئِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْكُلِّيِّ وَهُوَ كُلِّيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ وَهَذَا مِمَّا مَا لَا يُنَازِعُونَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت