الصفحة 6 من 87

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقَائِقِ مِنْ وُجُوهٍ: ( أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَدَّ مُجَرَّدُ قَوْلِ الْحَادِّ وَدَعْوَاهُ فَقَوْلُهُ مَثَلًا: حَدُّ الْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ قَضِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ وَمُجَرَّدُ دَعْوَى خَلِيَّةٍ عَنْ حُجَّةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُ لَهَا عَالِمًا بِصِدْقِهَا بِدُونِ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ بِهَذَا الْحَدِّ . وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ عِنْدَهُ فَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا دَلِيلَ مَعَهُ لَا يُفِيدُهُ الْعِلْمَ وَكَيْفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ فِي قَوْلِهِ ؟ فَتَبَيَّنَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْحُدُودِ . فَإِنْ قِيلَ: يُفِيدُهُ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْكَمَ أَنَّهُ هُوَ ذَلِكَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ مَثَلًا أَوْ غَيْرَهُ . قُلْنَا: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَمُجَرَّدِ دِلَالَةِ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ دَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَى مُسَمَّاهُ . وَهَذَا تَحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنَّ دِلَالَةَ الْحَدِّ كَدَلَالَةِ الِاسْمِ وَمُجَرَّدَ الِاسْمِ لَا يُوجِبُ تَصَوُّرَ الْمُسَمَّى لِمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ دُونَ ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ فَكَذَلِكَ الْحَدُّ . ( الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْحَدُّ لَا يَمْنَعُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ بِالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ . فَيُقَالُ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَادُّ قَدْ أَقَامَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْحَدِّ امْتَنَعَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْتَمِعُ الْمَحْدُودَ بِهِ إذَا جُوِّزَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ صِحَّةَ الْحَدِّ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ مُحْتَمِلٌ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ امْتَنَعَ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَوْلِهِ . وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ طُرُقٌ عَقْلِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ وَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ بِالْمُفْرِدِ أَصْلَ الْعِلْمِ بِالْمُرَكَّبِ وَيَجْعَلُونَ الْعُمْدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْحَادِّ بِلَا دَلِيلٍ وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَنْ أَمْرٍ عَقْلِيٍّ لَا حِسِّيٍّ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ وَالْخَطَأَ وَالصِّدْقَ وَالْكَذِبَ . ثُمَّ يَعِيبُونَ عَلَى مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى الْأُمُورِ السَّمْعِيَّةِ عَلَى نَقْلِ الْوَاحِدِ الَّذِي مَعَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يُفِيدُ الْمُسْتَمِعَ الْعَالِمَ بِهَا الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ زَاعِمِينَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لَكِنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُهُمْ فِي الْحَدِّ فَإِنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا دَلِيلَ عَلَى صِدْقِهِ . بَلْ وَلَا يُمْكِنُ عِنْدَهُمْ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ . فَلَمْ يَكُنْ الْحَدُّ مُفِيدًا لِتَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ . وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَدْ تَصَوَّرَ الْمَحْدُودَ قَبْلَ هَذَا أَوْ تَصَوَّرَهُ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِدُونِ الْحَدِّ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ عَلِمَ صِدْقَهُ فِي حَدِّهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْحَدُّ أَفَادَ التَّصَوُّرَ وَهَذَا بَيِّنٌ . وَتَلْخِيصُهُ أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَحْدُودِ بِالْحَدِّ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الْعِلْمِ بِصِدْقِ قَوْلِ الْحَادِّ وَصِدْقُ قَوْلِهِ لَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ فَلَا يُعْلَمُ الْمَحْدُودُ بِالْحَدِّ . ( الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ الْحَدُّ مُفِيدًا لِتَصَوُّرِ الْمَحْدُودِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِّ فَإِنَّهُ دَلِيلُ التَّصَوُّرِ وَطَرِيقُهُ وَكَاشِفُهُ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُعْلَمَ الْمُعَرَّفُ الْمَحْدُودُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمُعَرِّفِ وَالْعِلْمُ بِصِحَّةِ الْحَدِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَحْدُودِ . إذْ الْحَدُّ خَبَرٌ عَنْ مُخْبَرٍ [ عَنْهُ ] هُوَ الْمَحْدُودُ . فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يُعْلَمَ صِحَّةُ الْخَبَرِ وَصِدْقُهُ قَبْلَ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِلْخَبَرِ وَقَبُولِ قَوْلِهِ فِيمَا يَشْتَرِكُ فِي الْعِلْمِ بِهِ الْمُخْبِرُ ، وَالْمُخْبَرُ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ . ( الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَحُدُّونَ الْمَحْدُودَ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الذَّاتِيَّةَ وَالْعَرَضِيَّةَ وَيُسَمُّونَهَا أَجْزَاءَ الْحَدِّ وَأَجْزَاءَ الْمَاهِيَّةِ وَالْمُقَوِّمَةَ لَهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت