وقوله تعالى"وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ"وقوله تعالى"مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"
فهذه الآيات تقرر بوضوحٍ هذه القاعدة التي رفع الله بها الحرج عن هذه الأمة، والتي تُبين أن هناك حكمٌ استثنائي لحال الاضطرار، يختلف تمامًا بل ويناقض الحكم في حال الاختيار.
وهنا لا بد من أن يُنتبه إلى أمر مهم، وهو أنه لا يصح الاعتراض على الحكم الاستثنائي المُخَرَّج على حال الاضطرار بالحكم الأصلي المُخَرَّج على حال الاختيار، وهذا ما يقع فيه كثير ممن ينتقد مواقف الدعوة الآن مُغْفِلًا هذا الأصل الذي ذكرناه.
فالذي يعترض على موقف الدعوة من بعض القضايا الآن بالأحكام الأصلية يشبه حاله تمامًا من يعترض على مضطرٍ لأكل الميتة بقول الله تعالى"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ"ثم يتهمه إذ لم يذعن له بأنه مخالف لشرع الله مخالف للنص الصريح، ولا يشعر بأنه هو الذي ينظر بعين واحدة إلى الحكم الأصلي دون أن يحقق مناطه في الواقع، فلذلك جاء موقفه نظريٌ جامدٌ بعيدٌ عن الشرع والواقع معًا، وفي صورة اعتراضاتٍ مجردةٍ خاليةٍ من أي تصورٍ كاملٍ للخروج مما تمر به البلاد.
ومن أهم هذه المواقف هو الموقف من ولاية من لا يصلح للولاية لعدم اجتماع شروطها فيه، كترشيح المرأة لمجلسي الشعب والشورى، وولاية غير العدول ونحو ذلك.
فهذه المواقف كلها مبنيةٌ ومُخَرَّجةٌ على حال الاضطرار، فلا يصح الاعتراض عليها بالحكم الأصلي.
ولكي يتضح تطبيق هذا الأصل وتطمئن له النفوس ننقل هنا نصوصًا عن إمام الحرمين الجويني وشيخ الإسلام ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبد السلام رضوان الله عليهم، تتعلق بولاية من لا يصلح في حال الاضطرار ثم نعلق عليها بما يليق بالمقام.
يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم) :
"ولو فرض إلمام مهم يتعين مبادرته في حكم الدين قبل أن يطأ الكفار طرفا من بلاد الإسلام، ولم نجد بُدًا من جر عسكر، وصادفنا فاسقا نقلده الإمارة وعَسُر انجرار العسكر دون مرموق مطاع، ولم نتمكن من تقى دَيِّن وإن بذلنا كنه المستطاع، فقد نضطر إذا استفزتنا داهية يتعين المسارعة إلى دفعها إلى تقليد الفاسق جر العسكر، ولو فرض فاسق يشرب الخمر أو غيره من الموبقات، وكنا نراه حريصا مع ما يخامره من الزلات وضروب المخالفات على الذب عن حوزة الإسلام، مشمرا في الدين لانتصاب اسباب الصلاح العام العائد إلى الإسلام، وكان ذا كفاية ولم نجد غيره، فالظاهر عندي نصبه مع القيام بتقويم أوده على أقصى الإمكان، فإن تعطيل الممالك عن راع"