وتساؤلات وحيرة استمرت معي شهورًا،كانت ذا طابع وجودي، أذكر جيدًا لحظة ولادتها،كنت أصلي العشاء في المسجد، داهمتني تلك الأفكار والوساوس، عدت بعدها إلى البيت ولزمت سريري ثم توضأت وأويت إلى فراشي، فارق عيني النوم، نهضت وتوضأت وصليت ركعتين، ودعوت الله أن يعيذني من وساوس الشيطان ،بكيت وتضرعت، وشقيقي قريب مني يغط في نوم عميق، وضعت رأسي على الوسادة ولم تفارقني تلك الهواجس، في تلك الفترة قرأت كل ما وقع بيدي من كتب لها صلة بمعاناتي، كنت أقاسي عذابًا لا يطاق، أذكر مرة أنني عاهدت الله أن أتخلى عن كل شيء لأجله إن أراحني من تلك الشكوك التي سممت عيشي، ولأن الحديث عن مثل هذا النوع من العذابات الروحية داخل في نطاق المحرم، فقد لزمت الصمت ودفنته بين جوانحي... هدأت نفسي بعد حين)7 ، لكنه لم يصبر ويعالج مرضه بل أخرج المخبوء وكشف المستور وقاء بما قاء به مدعيا الشجاعة في ذلك فيا ويله ، يقول: (الكثيرون يتغيرون في الظل، ولكن القلة هم الذين يملكون الشجاعة ليتحدثوا عن تجاربهم) 8 ، فهو من تلك القلة التي تملك الشجاعة ، هكذا منصور تسمعه فتحس منه رائحة الغرور والعجب ينفثها من فيه في مثل قوله: (أنا شئ آخر) 9 ، ولا ينسى أن يرفع رأسه ويشمخ بأنفه لتتكامل الصورة ، وما قصة تغيره وتقلبه ونكوصه إلا علامة العظمة إذ هذا شأن العظماء من قبل ومن بعد! يقول: (ما من شخص ما من عالم أو مفكر أو فيلسوف أو شخص له تأثير في تاريخ الفكر الإنساني إلا وستجد له أكثر من رأي في فترة متغيّرة) 10 ، فشأنه كشأنهم بل هو منهم! ولذا فلا يستغرب منه إن حاول إلصاق ما يعانيه من أمراض نفسية وأزمات روحية بعظماء زعم أنهم عانوا ما عاناه ، وابتلوا بما ابتلي به ، لكن الفرق أن أولئك كبلهم ماضيهم ومحبيهم أما هو فتحرر من ذلك أجمع طلبا للحقيقة ، ولا حقيقة مطلقة تُدرك -زعم وافترى- انظر إليه وهو يلصق مرضه بغيره على منهج (ودت الزانية لو أن كل النساء زواني) !