أو أبصرت زهرة ندية تقاوم- على ضعفها- سطوة إعصار؟!
أو لمحت طائرًا ضعيفًا مكسور الجناح تطارده سباع وضباع في نهم وسعار؟!
إني- يا أبتي- أضعف من هؤلاء جميعًا في جو الفتن والشهوات والشبهات الذي أعيشه ليلًا ونهارًا..
فالعين لا ترى إلا ما يسحرها..
والأذن لا تسمع إلا ما يطربها..
والجوارح لا تعيش إلا ما يغريها..
والقلب لا يشعر إلا بما يفتنه..
والعقل لا يدرك إلا ما يضله..
ومن رعى غنمًا في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد
لقد هيأت لي- يا أبتي- جو المعصية وأحطتني بسياج الخطيئة، فتنفست رائحة الشهوة في الشهيق فأخرجت ذلك معصية لله تعالى مع الزفير..
إن قنوات التلقي عندي لا تلتقط إلا ما يفتن فأصبح البث ممزوجًا بالخطايا والرزايا والبلايا..
ومن يكن الغراب له دليل يمر به على جيف الكلاب
ألقيتني- يا أبتي- في بحر الشهوات ولم تلبسني طوق نجاة ثم تريدني بعد ذلك أن أكون ملكًا معصومًا!!! هيهات.. هيهات..
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء
يا أبتي: إني لا أريد أن أكون خصيمًا لك يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [ سورة الشعراء الآيتان:88-89] فأمسك بتلابيبك يوم القيامة يوم الحسرة والندامة فأقول:
يا رب خذ لي مظلمتي من والدي..
يا رب إنه رآني على المعصية فلم ينهني..
يا رب إنه أبصرني محجمًا عن المعروف فلم يأمرني..
يا رب إنه بذل لي أسباب المعصية، وزين في عيني الخيطئة وألقاني في نار الشهوات، فأحرقت إيماني والتهمت حسناتي وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:"مثل الذي يعين قومه على غير الحق، مثل بعير تردى وهو يجر بذنبه".