فهرس الكتاب
طبعًا يثيرُ هذا النص على قِصَرِهِ إشكاليات ليست قليلة، ويتضمن ما تبدو معطيات مهمّة. فليس منطقيًا أن يتكلم داود عن القفار إذا كان المسرح فلسطين، فلا بُدَّ وأن يكون المسرح الذي خاض فيه داود معاركه الأولى خارج فلسطين، وتحديدًا داخل الجزيرة العربية حيث يمكن الحديث عن القفار. والحديث عن الأرامل والمتوحدين والأسرى يرجح أنَّ بني إسرائيل في الفترة التي سبقت صعود داود كانوا قد تعرّضوا لهزائم مريرة. وهذا الاستنتاج يمكن أن نستنتجه من القرآن الكريم أيضًا، حيث يقول تعالى (ألم تَرَ إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتلُ في سبيلِ اللهِ قال هل عسيتم إن كُتِبَ عليكم القتالُ ألاَّ تقاتلوا قالوا وما لنا ألاَّ نقاتل في سبيل اللهِ وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كُتب عليهِم القتال تولَّوا إلاَّ قليلًا منهم واللهُ عليم بالظالمين) (البقرة 246) .
إنَّ حديثهم هنا عن إخراجهم من ديارهم وأبنائهم يثير التساؤل حول الديار المقصودة. فما لم تكن مصر التي سعوا للخروج منها، واعتبروا نجاحهم بالخروج نصرًا، ولا دليل على ترك أبناء لهم فيها، فلا بُدَّ وأن تكون الأرض الجديدة التي انتقلوا إليها وأقاموا فيها. وهم لا يذكرون أنَّ شيئًا من هذا حدث لهم في فلسطين، بل يتحدثون عن معارك متبادلة كان فيها انتصارات وهزائم، ولكن ليس فيها جلاء. وهذا يعني أنَّ مسرح معارك داود الأولى على الأقل لم يكن في فلسطين.
على أيِّ حال ما يهمّنا وفق مضمون دراستنا هذه هو قوله"أعدوا طريقًا للراكب في القفار باسمه ياه". فإن"ياه"على هذا النحو هو الشكل الأول الذي ظهر فيه الاسم الذي تطوّر إلى يَهْوِه. ولكن"ياه"طرحت في البداية، وكما هو واضح من نصِّ المزمور 68 اسمًا لله (إلهيم) ، وليس اسمًا منفصلًا عنه.
في وقت لاحق، فإنّ"ياه"هذه، ستبدو جزءًا من"يَهْوَه". ومن الأمثلة على ذلك نورد ما يلي: