ومنها: أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريبًا، فدخلتهم الشبهة، فعذورا، فأما اليوم فقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك ألمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنه إذا أنكر منها شيئًا جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق اسم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وإن القاتل عمداًَ لا يرث، وإن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل بعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة."نووى شرح المسلم"عن الخطابي وهناك عبارة أخرى للخطابي مرت عن"اليواقيت".
قلت: هذا ظاهر في أن التأويل في ضروريات الدين لا يدفع القتل، بل لا يدفع الكفر أيضًا إذا استتيب فلم يتب، وأما الإشكال الذي ذكره من أنهم جحدوا الزكاة فهم أهل ردة، وقد تردد في قتالهم عمر - رضي الله عنه - فلعل الوجه فيه أنهم منعوا الزكاة، وأرادوا نصب الرؤساء في إحياهم، لم يطيعوا لأبي بكر - رضي الله عنه - فكانوا أهل بغي بهذا القدر، وهذا هو الذي جعل