فهرس الكتاب
حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين. فقد قامت البراهين على وجوب متابعته. ثم هذه البلاد ما زالت بأيديهم الساحل، بل وقبرص أيضا ما أخذت منهم إلا من أقل من ثلاثمائة سنة وقد وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة. فما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم رب العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامهم فينالوا منها ما نالوا من غيرها ونحن إذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح عاملناهم بالحسنى وإلا فمن بغي عليه لينصرنه الله. وأنت تعلم أن ذلك من أيسر الأمور على المسلمين. وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق وفعل ما يجب. فإن كان عند الملك من يثق بعقله ودينه فليبحث معه عن أصول العلم وحقائق الأديان ولا يرضى أن يكون من هؤلاء النصارى المقلدين الذين لا يسمعون ولا يعقلون، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا. وأصل ذلك أن تستعين بالله وتسأله الهداية وتقول: اللهم أرني الحق حقا وأعني على اتباعه. وأرني الباطل باطلا وأعني على اجتنابه ولا تجعله مشتبها على فأتبع الهوى فأضل. وقل اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون: اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا، لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة وهما شيئان. [أحدهما له خاصة وهو معرفته بالعلم والدين وانكشاف الحق وزوال الشبهة وعبادة الله كما أمر. فهذا خير له من ملك الدنيا بحذافيرها. وهو الذي بعث به المسيح وعلمه الحواريين] . [الثاني له وللمسلمين وهو مساعدته للأسرى الذين في بلاده وإحسانه إليهم وأمر رعيته بالإحسان إليهم والمعاونة لنا على خلاصهم، فإن في الإساءة إليهم دركا على الملك في دينه ودين الله تعالى ودركا من جهة المسلمين وفي المعاونة على خلاصهم حسنة له في دينه ودين الله تعالى وعند المسلمين، وكان المسيح أعظم الناس توصية بذلك] .
ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوما غدرا أو غير غدر ولم يقاتلوهم والمسيح يقول: [من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه قميصك] وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين، فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء وضعفاء ليس لهم من يسعى فيهم. وهذا أبو العباس مع أنه من عباد المسلمين وله عبادة وفقر وفيه مشيخة ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه إلا بالشدة. ودين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير والضعيف. فالملك أحق أن يساعد على ذلك من وجوه كثيرة، لا سيما والمسيح يوصى بذلك في الإنجيل ويأمر بالرحمة العامة والخير الشامل كالشمس والمطر. والملك وأصحابه إذا عاونونا على تخليص الأسرى والإحسان إليهم كان الحظ الأوفر لهم في ذلك في الدنيا والآخرة. أما في الآخرة فإن الله يثيب على ذلك ويأجر عليه وهذا مما لا ريب فيه عند العلماء المسيحيين الذين لا يتبعون الهوى، بل كل من اتقى الله وأنصف علم أنهم أسروا بغير حق لا سيما من أخذ غدرا والله تعالى لم يأمر المسيح ولا أحدا من الحواريين ولا من اتبع المسيح على دينه، لا بأسر أهل ملة إبراهيم ولا بقتلهم.
وكيف وعامة النصارى يقرون بأن محمدا رسول الأميين فكيف يجوز أن يقاتل أهل دين اتبعوا رسولهم. فإن قال قائل: هم قاتلونا أول مرة. قيل: هذا باطل فيمن غدرتم به ومن بدأتموه بالقتال. وأما من بدأكم منهم فهو معذور لأن الله تعالى أمره بذلك ورسوله بل المسيح والحواريون أخذ عليهم المواثيق بذلك ولا يستوي من عمل بطاعة الله ورسله ودعا إلى عبادته ودينه وأقر بجميع