الصفحة 133 من 243

الله صلى الله عليه وسلم، ولأن به يجتمع كلامهم، وتتألف قلوبهم، وبذلك ينصرون؛ قال الله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم} وإنما يؤمر عليهم من يكون صالحًا لذلك، بأن يكون حسن التدبير في أمر الحرب، ورعًا مشفقًا عليهم، سخيًا شجاعًا، ويحكى عن نصر بن سيار رحمه الله تعالى قال: اجتمع عظماء العجم وغيرهم على أن قائد الجيش ينبغي أن يكون فيه عشر خصال من خصال البهائم: شجاعة كشجاعة الديك، وتحنن كتحنن الدجاجة، وقلب كقلب الأسد، وروغان كروغان الثعلب، أي صاحب مكر وحيلة، وغارة كغارة الذئب، وحذر كحذر الغراب، وحرص كحرص الكركي، وصبر على الجراح كالكلب، وحملة كالجبهة، وسمن كما يكون لدابة بخراسان لا تهزل بحال. وإذا أمر عليهم بهذه الصفة فينبغي له أن يوصيه بهم كما بدأ الكتاب ببيانه ورواه عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى عن علقمة بن مرثد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشًا أو سرية أوصى صاحبهم بتقوى الله في خاصة نفسه ... وفيه بيان أنه ينبغي للإمام أن يخص صاحب الجيش والسرية بالوصية لأنه يجعلهم تحت أمره وولايته فيوصيه بهم وفي تخصيصه بالوصية بيان أن عليهم طاعته فلا تظهر فائدة الإمارة إلا بذلك، وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان رحمه الله تعالى حين وجهه إلى الشام في حديث طويل ذكره في السير الكبير، وإنما يوصيه بتقوى الله تعالى لأنه بالتقوى ينال النصرة والمدد من السماء، قال الله تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم .. } وبالتقوى يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد قال صلى الله عليه وسلم ملاك دينكم الورع وقال التقى مجلم وقيل في معنى قوله في خاصة نفسه أنه كان يوصيه سرا حتى لا يقف على جميع ما يوصيه به غيره والأظهر أن المراد أنه كان يوصيه في حق نفسه أولًا، ثم يوصيه بمن معه من المسلمين خيرًا، قال صلى الله عليه وسلم: {ابدأ بنفسك ثم بمن تعول} ونفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت