فهرس الكتاب

الصفحة 1070 من 3000

قطع المدد والمؤن عن عساكره ومحلاته التي تركها بالأندلس، فساءه ذلك [1] ، ومنها ما وقف عليه يوسف، من رجوع بعض رؤساء الطوائف إلى مصادقة ألفونسو ملك قشتالة وممالأته، بل واستعدائه على محاربة يوسف نفسه، وإمداده لذلك بالأموال والهدايا، وكان هذا بالذات موقف عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة [2] ، ثم كان فيما بعد موقف المعتمد بن عباد، وقد عمد كلاهما في الواقع إلى تحصين بلاده والاستعداد للدفاع عنها [3] .

والظاهر أيضًا أن أمير المسلمين لم يتخذ قراره الخطير بافتتاح الأندلس فجأة، ولكنه عمد إلى دراسته ومشاورة الزعماء والفقهاء في أمره، وقد تلقى في ذلك فتاوي الفقهاء من المغرب والأندلس، بوجوب خلع ملوك الطوائف، وانتزاع الأمر من أيديهم، بل لقد تلقى مثل هذا الرأي من أكابر فقهاء المشرق، وفي مقدمتهم أعلام كالإمام الغزالي، وأبى بكر الطرطوشي نزيل مصر يومئذ وغيرهما [4] .

وإذًا فقد التمس أمير المسلمين لتنفيذ مشروعه، سند أحكام الشرع، وتأييد أهل الرأي، قبل الإقدام عليه.

ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدم، ذلك الباعث الطبيعي، الذي يضطرم به كل زعيم قوى وكل متغلب، ونعني شهوة الفتح والتوسع، فلا ريب أن يوسف بن تاشفين وصحبه، وهم أولئك البدو الصحراويون، قد راقهم ما شهدوه من خصب الأندلس ونعمائها، وطيب هوائها. ومن ثم فإن الرواية تحدثنا بصراحة عن"طمع يوسف في الجزيرة وتشوفه إلى مملكتها"، وتذكر لنا أنه قال يومًا لبعض ثقاته؛"كنت أظن أني قد ملكت شيئًا، فلما رأيت تلك البلاد (الأندلس) صغرت في عينى مملكتي" [5] .

اجتمعت هذه البواعث كلها، لتحمل يوسف على فتح الأندلس، وهي بواعث فوق وضوحها، تسجلها لنا الرواية جميعًا. بيد أننا نستطيع أن نستشف

(1) ابن خلدون ج 6 ص 187.

(2) ابن خلدون ج 6 ص 187.

(3) روض القرطاس ص 99، وابن خلكان ج 2 ص 490. وراجع: R.M.Pidal ibid ; p. 394

(4) ابن خلدون ج 6 ص 187 و 188؛ وأعمال الأعلام ص 247.

(5) المعجب ص 74. وراجع ابن خلكان ج 2 ص 40، وأعمال الأعلام ص 163، ونفح الطيب ج 2 ص 533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت