وعاصمة قشتالة يومئذ، وكان بداخلها ألفونسو السادس وحليفه سانشو راميرز يقومان بالدفاع عنها، بيد أن المرابطين أيقنوا بعد أن شهدوا أسوارها العالية، وحصانتها الفائقة، بعبث المحاولة، فتركوا الحصار، وارتد يوسف بقواته إلى الجنوب [1] .
وعرج يوسف بجيشه على فحص غرناطة، وكان قد قرر أمره نحو غرناطة وصاحبها عبد الله بن بلقين، بل ونحو أمراء الطوائف جميعًا. وكان عبد الله في الواقع مذ عاد من حصار أليدو، ولما شعر به من تغير يوسف، قد عاد إلى استئناف صلاته بألفونسو السادس، عن طريق قائده ومبعوثه في تلك المنطقة ألبار هانيس، وعقد معه فيما يبدو محالفة سرية لمقاومة المرابطين. ويعترف الأمير عبد الله في مذكراته بهذه الصلات، ولكنه يقول لنا إنها لم تكن سوى التزام منه بدفع الجزية لألفونسو، وتعهد من ألفونسو بألا يعترض له بلدًا ولا يغدر به [2] . ويقول لنا ابن عذارى من جهة أخرى إن عبد الله بن بلقين كان أول من شهر الخلاف على يوسف بن تاشفين، فنظر في اختيار الآلات وألحق الرماة والرجال، وأعلا الأبراج، وبنا الأسوار، ونصب الرعادات، وملأ بيوت السلاح، وجد في ضرب السهام، ونقل المال والذخيرة، وخرج المتاع والآنية إلى قصبة المنكب لكونها في غاية المنعة، وعلى ضفة البحر، وعمد إلى مال كثير، وثياب نفيسة، وتحف جليلة، وأعلاق دقيقه، فوجه بها إلى أذفونش، وكتب إليه متطارحًا عليه، مستجيرًا به، وأعلمه ان البلد بلده وأن فيه قايده، فاهتز لذلك الأذفونش، وقبل المال والهدايا، وأقسم بجميع أيمانه، أن يشد اليد عليه في ملكه، ولا يتركه لضيم ولا خصيمة، وأن ينهض إليه بنفسه، ويبذل جهده في نصره، فقويت نفس حفيد باديس بذلك. وفي ذلك يقول صفيه وأثيره السمسري:
صانع أذفونش والنصارى ... فانظر إلى رأيه الوبير
وشاد بنيانه خلافًا ... لطاعة الله والأمير
يبني على نفسه سفاهًا ... كأنه دودة الحرير
(1) روض القرطاس ص 99. وكذلك R.M.Pidal: ibid ; p. 349 & 395
(2) كتاب التبيان ص 125. وراجع ابن خلدون ج 6 ص 187.