وكان ابن غانية يرمي وفقًا لرواية صاحب القرطاس إلى أن يحمل يدر اللمتوني على أن يسلم غرناطة للموحدين، على غرار قرطبة وقرمونة، ووفقًا لرواية ابن خلدون على أن يحمله على"مثل حاله مع الموحدين". ويزيد ابن الخطيب الأمر وضوحًا، فيقول لنا إن ابن غانية كان يرمي إلى أن يجتمع في غرناطة بأعيان لمتونة ومسّوفه، في شأن تصريف الأمر إلى الموحدين. وقد يفهم من ذلك أن ابن غانية انتهى بإعلان طاعته للموحدين وانضوى تحت لوائهم [1] . بيد أنه مما ينقض هذه الرواية ما يذكره لنا ابن الخطيب في موضع آخر من أن ابن غانية، بعد أن حل بغرناطة، أقام بها شهرين ثم مرض وتوفي، وكان يقول للمرابطين، في مرض موته، وقد عول على جعل غرناطة معقلا للدعوة المرابطية:"الأندلس درقة وغرناطة قبضتها، فإذا جشمتم يا معشر المرابطين القبضة لم تخرج الدرقة من أيديكم".
وهو ما ينفي عن ابن غانية أية شبهة في الانحراف عن الدعوة المرابطية [2] .
وكانت وفاة يحيى بن غانية في الرابع والعشرين من شعبان سنة 543 هـ (7 يناير 1149 م) . ودفن بداخل قصبتها بالمسجد المتصل بقصر باديس ابن حبوس، ومجاورًا له في مدفنه، وكان قبره مزارًا معروفًا يتبرك به حتى أيام ابن الخطيب (أواسط القرن الرابع عشر) [3] .
وعلى أثر وفاة ابن غانية، غادر مولاه العلج فلّوج غرناطة إلى حصن بشير، وكان سيده قد ولاه إياه، وأودع فيه أمواله وذخائره، وكانت مقادير طائلة واستعان على حفظه بجماعة من النصارى. ثم خطر له أن يلحق بابن أخى مولاه إسحق بن غانية. واستخلف على الحصن رجلا من أهل سرقسطة يعرف بابن مالك، فقبض عليه إسحق وعذبه حتى مات. ولما علم الموحدون بما حدث، سارت منهم سرية من مدينة لوشة القريبة، وغلبوا على الحصن، واستولوا على سائر ما كان فيه من الأموال والحلي والثياب وكان منها ذخائر جليلة [4] .
وكان يحيى بن علي بن غانية أميرًا نابهًا، وجنديًا وافر الجرأة والشجاعة، والخبرة بأساليب الحروب، وكان في نفس الوقت سياسيًا فطنًا، وحاكمًا وافر
(1) روض القرطاس ص 125، وابن خلدون ج 6 ص 235، وابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 392.
(2) ابن الخطيب في الإحاطة (1956) ج 1 ص 103 و 104.
(3) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 392.
(4) ابن الخطيب في الإحاطة (مخطوط الإسكوريال) لوحة 360.