فهرس الكتاب

الصفحة 2009 من 3000

المنصور. ببد أنها تكشف بالأخص عن روح التزمت العميق التي كان يتسم بها التفكير الديني في عهد الموحدين.

وكان الخليفة في تلك الأثناء يستكمل أهبته للغزوة المنشودة، فلما تم له ما أراد من ذلك، غادر قرطبة في قواته، واخترق جبل الشارات (سييرا مورينا) ميممًا شطر طَلَبيرة. فلما وصل إلى حدود قشتالة، قصد إليه رسل ألفونسو الثامن في طلب المهادنة، فصرفهم دون جواب، وقد عقد العزم على اختراق أراضي قشتالة، وغزوها وفقًا للخطة التي وضعها. ولما وصل إلى طلبيرة، سار إلى مكادة، وضرب ما حولها من الأراضي دون أن ينال منها شيئًا، ثم انعطف جنوبًا نحو طليطلة وحاصرها، وهنالك علم أن ملك قشتالة قد حصل على عون زميله ملك أراجون، وأنهما يرابطان بقواتهما عند قلعة مجريط [1] في انتظار الاشتباك مع الموحدين، فتحول المنصور نحو مجريط بسرعة، بعد أن خرب أراضي طليطلة، مؤملا أن يلتقي بالقوات النصرانية. ولما وصل إلى مجريط، حاصرها بضعة أيام، ولكن الملكين لم يكونا بها، بل كانا قد انسحبا في معظم قواتهما إلى جبال وادي الرملة [2] ، وتركا في حصن مجريط قوة مختارة بقيادة دون ديجو لوبث دي هارو، وهو الذي كان قد لجأ إلى حصن الأرك يوم الموقعة. فدافع القشتاليون عن مجريط بشدة، فغادرها المنصور عندئذ، وسار ميممًا شطر قلعة هنارس (قلعة النهر) ثم وادي الحجارة، وهو ينتسف الزروع، ويخرب الضياع والقرى، ولكن الموحدين لم يستطيعوا كذلك الاستيلاء على وادي الحجارة لمنعتها. وخرجت حاميتها، وفاجأت قافلة المتاع والعتاد والخدم، فأوقعت بها، واستطاعت أن تنتزع منها بعض الأسلاب، قبل أن يتداركها الموحدون، ويردوا المغيرين على أعقابهم، ويقتلوا عددًا منهم.

وفي اليوم التالي، نظم الموحدون مظاهرة عسكرية ضخمة في ظاهر وادي الحجارة، بدا فيها الجيش الموحدي بمختلف طوائفه وحشوده، إظهارًا لقوتهم وإرهابًا للعدو، وبعث المنصور من محلته بتفاصيل الغزوة إلى مختلف الجهات.

(1) وهي التي غدا موقعها فيما بعد نواة لموقع مدريد عاصمة اسبانيا الحديثة، وتطور اسمها العربى من مجريط Majerit إلى Madrid.

(2) جبال وادي الرملة هي بالإسبانية Guadarrama.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت