المكاسب، وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال"."
وقد كان أول خلفاء المهدي، وهو عبد المؤمن بن علي، مؤسس الدولة الموحدية الحقيقي، وموطد دعائمها، كذلك كان عالما من ألمع علماء عصره، يلتف حوله العلماء والكتاب والشعراء من المغرب والأندلس، يبسط عليهم رعايته، ويغمرهم بصلاته، وهو الذي نظم جماعة الحفاظ الموحدين، وعنى بأمرها أشد عناية، حتى بلغت في أيامه نحو ثلاثة آلاف حافظ، يدرسون كتب المهدي وتعاليمه، وقد تولى الكثير منهم فيما بعد كثيرًا من مناصب الثقة والمسئولية، في الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس.
وكان الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، كذلك من أكابر علماء عصره، وكان أديبًا متمكنًا، وفقيهًا، ومحدثًا بارعًا، يشغف في نفس الوقت بالدراسات الفلسفية، ويجمع حوله طائفة من أعظم علماء العصر ومفكريه، وفي مقدمتهم أبو بكر ابن طفيل، وأبو الوليد بن رشد، وأبو بكر بن عبد الملك بن زهر، وهم أساتذة الفلسفة والطب في هذا العصر. وقد انتهى إلينا من آثاره كتابه في"الجهاد"وهو الملحق بكتاب المهدي ابن تومرت. وذلك حسبما أشرنا إلى ذلك في موضعه.
وكان ولده الخليفة يعقوب المنصور عالمًا مستنيرًا، متمكنًا من الحديث والفقه واللغة، وكان مثل أبيه وجده، يجمع حوله العلماء والأدباء والشعراء، من المغرب والأندلس، ويجزل صلتهم، ويجرى المرتبات على الفقهاء والطلبة، وفقا لمراتبهم وطبقاتهم [1] . وكان كذلك يجرى الرواتب المنتظمة، لكثير من الأطباء، والمهندسين والكتاب والشعراء وغيرهم [2] ، وكان له بتمكنه من الفقه، دور فعال في تطور العقيدة الموحدية، وجنوحها إلى المذهب الظاهري.
ونجد حتى في أواخر الدولة الموحدية، حينما شاخت وأدركها الوهن، في الخلفاء الموحدين، من يتسم بالصفات العلمية البارزة، فقد كان الخليفة المأمون ابن المنصور، عالمًا متمكنًا من اللغة والأدب والشعر، وكان كاتبًا مقتدرًا، وكان الخليفة المرتضى لأمر الله، فقيهًا وأديبًا وشاعرًا. وكانت هذه الصفات العلمية للأواخر من الخلفاء الموحدين، تبرز على ما عداها، بالرغم مما كانت تتردى فيه الدولة، من الفتن والحروب الأهلية المتواصلة.
وقد كان لهذه النزعة العلمية التي غلبت على معظم الخلفاء الموحدين، أثر
(1) روض القرطاس ص 143.
(2) المراكشي في المعجب ص 134