عبد الرحمن [1] ونظم كثيرًا من مختار الشعر في العهود الثلاثة. وسوف نعود إلى ذكره.
ومن أعلام عصر الحكم أيضًا، يحيى الغزال الجياني، وهو أبو زكريا يحيى ابن الحكم البكري، نسبة إلى بكر بن وائل، وأصله من مدينة جيان، ولقب بالغزال لجماله وظرفه وتأنقه، وكان شاعرًا جزلا مطبوعًا، وبرع بالأخص في الغزل، وله في النسائيات كثير من رقيق النظم، وكان فوق ذلك عالمًا بالفلك والفلسفة، وله أرجوزة طويلة في أبواب العلوم لم تصل الينا، وكان كثير التعريض بالفقهاء والحملة عليهم، حتى سخطوا عليه، ورموه بالزندقة، لصراحته وحر تفكيره. وهو القائل فيهم:
لست تلقى الفقيه إلا غنيّا ... ليت شعري من أين يستغنونا
تقطع البر والبحار طلاب الـ ... ـرزق والقوم ها هنا قاعدونا
إن للقوم مضربًا غاب عنا ... لم يصب قصد وجهه الراكبونا
وله في ذكر النفس والروح قصيدة، أثارت حول عقيدته شبها وريبًا، يقول فيها:
يا ليت شعري أى شىء محصل ... يرى شخص من قد مات وهو دفين
أهو هو أم خلق شبيه بما رأ ... ى فقل للقلوب النائمات عيون
وكيف يرى والعين قد مات نورها ... وواقعه شبه الوقار سكون
لئن كانت الأرواح من بعد بيتها ... بهن إلى ما خلفهن حنين
وقال يمدح الحكم في قصيدة مطلعها:
كأن الملوك الغُلَّب عندك خُضَّعًا ... خواضع طير يتقي الصقر لُبّد
تقلب فيهم مفلة حكمية ... فتخفض أقوامًا وقومًا تُسوِّد
واشتهر الغزال فوق ذلك بأصالة الرأي، وحسن التدبير، واللباقة، والدهاء وقد رشحته هذه الصفات فيما بعد، في عصر عبد الرحمن بن الحكم للقيام ببعض المهام الدبلوماسية الخطيرة، وهو ما سوف نعود إليه في موضعه.
(1) المخطوط السابق الذكر ص 131؛ 132.