للرجوع إليها. وقام أيضًا بين المدجنين أدب قشتالى، استمر عصورًا حتى بعد إخراج العرب المتنصرين من اسبانيا [1] . على أن المدجنين لبثوا بالرغم من هذا الاندماج الاجتماعى تطبعهم مسحة خاصة تباعد بينهم وبين المجتمع النصرانى القديم [2] .
كان نظائر هؤلاء الأندلسيين المدجنين، جمهرة من النصارى الإسبان يعيشون في القواعد والثغور الإسلامية، ويعرفون بالنصارى المعاهدين أو المستعربين (وبالإسبانية Mozarabes) . وقد لبثوا عصورًا يتمتعون في ظل الحكم الإسلامى بضروب الرعاية والتسامح. وكانت الحكومات الأندلسية، حتى في أزهى عصورها، تحافظ على سياسة التسامح التى اتبعت إزاءهم منذ الفتح، وتعاملهم بالرفق، وتحترم شعائرهم الدينية وتقاليدهم القومية، وتجانب أية محاولة لإرغامهم على اعتناق الإسلام. وكان من ضروب هذه الرعاية، أن أنشىء في ظل حكومة قرطبة منذ عهد الحكم بن هشام، ديوان خاص للنظر في شئون أهل الذمة (النصارى واليهود) ، يتولاه كبير من الأحبار النصارى يطلق عليه"قومس أهل الذمة". وهكذا استطاعوا دائمًا أن يحتفظوا بدينهم ولغتهم، ومميزاتهم القومية والاجتماعية. وكانت حال النصارى في ظل الحكم الإسلامى، أفضل بكثير مما كانت عليه أيام القوط، وكثيرًا ما كان يعهد إليهم بمناصب القيادة والوزارة، أو ينتظمون في البلاط والحرس الملكى. ومع ذلك فقد كانت منهم دائمًا طوائف متعصبة تسىء استعمال هذا التسامح، وتحاول بمختلف الوسائل أن تكيد للإسلام ودولته ومن ذلك ما حدث في عهد عبد الرحمن بن الحكم (أواسط القرن التاسع الميلادى) من الحوادث الدموية التى أثارها تعصب النصارى [3] . وهكذا فإن النصارى المعاهدين، لم يشعروا دائمًا بالولاء والإخلاص للدولة الإسلامية. التى يعيشون في ظلها، والتى توليهم كثيرًا من رعايتها ورفقها، وكانوا دائمًا يتربصون بها، وينتهزون الفرص لمناوأتها والكيد لها، ويستعدون عليها الوطن القديم، كلما اضطربت شئونها. وعصفت بها عواصف الثورة والحرب الأهلية. وكانت أعظم
(1) المقصود هنا أدب الألخميادو Aljamiado وهو عبارة عن كتابة اللغة القشتالية المحرفة بحروف عربية مشكلة. وكان العرب المتنصرون يضطرون إلى كتابة كتبهم الدينية بهذه اللغة بعد أن حرمت عليهم لغتهم العربية، وسنعود إلى التحدث عن ذلك فيما بعد.
(3) راجع كتاب"دولة الإسلام في الأندلس" (الطبعة الثالثة) العصر الأول ص 264 - 270.