أن يحتفظ المسلمون بدينهم وشريعتهم وأموالهم، وأن تخفف عنهم أعباء الضرائب، وألا يولى عليهم يهودى، وألا يدخل نصرانى فى"الجماعة"، وأن يختار الأولاد الذين يولدون من أمهات من النصارى لأنفسهم، الدين الذى يريدون عند البلوغ، وغير ذلك من المنح المغرية الخادعة التى بذلت لسائر البلاد المفتوحة. وهكذا بسط فرناندو سلطانه على قواعد الأندلس الشرقية كلها من البحر إلى الشمال، ولم يبق خارجًا عن طاعته، سوى مدينة وادى آش مقر مولاى الزغل.
ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك، حتى أثمرت خيانة يحيى النيار ثمرتها، لدى صهره أبى عبد الله الزغل، فسارع بدوره إلى الانضواء تحت لواء ملك النصارى، وكان الزغل منذ التجأ إلى وادى آش، يرقب سير الحوادث بجزع، ويرى قواعد الأندلس تسقط بالتعاقب، ودون أن ينجدها منجد، ويرى أمل الإنقاذ يخبو تباعًا. فلما سقطت بسطة آخر القواعد التى يسيطر عليها، واتجه النصارى نحو وادى آش معقله الوحيد الباقى، ورأى بالرغم من شجاعته وبسالته أنه يغالب المستحيل، وأن جيوش النصرانية تحيط به من كل صوب، اعتزم أمره، وسار إلى معسكر ملك النصارى يعرض عليه طاعته، والانضواء تحت لوائه، فأجابه فرناندو إلى مطالبه، وبايعه الزغل وسائر قادته بالخضوع والطاعة؛ ودخل النصارى مدينة وادى آش في أوائل صفر سنة 895 هـ (30 ديسمبر سنة 1489) .
وعقد الزغل مع ملكى قشتالة معاهدة سرية على نمط المعاهدة التى عقدها صهره يحيى، ونص فيها على طائفة من المنح والإمتيازات، خلاصتها أن يستقر الزغل سيدًا في مدينة أنْدَرَش وما إليها، وأن يكون له ألفا تابع من بنى وطنه، وأن يمنح معاشا سنويا كبيرًا، وأن يمنح دخل نصف ملاحات بلدة الملاحة، وأن يرسل في استحضار أبنائه الأمراء من غرناطة نظرًا لخصومته مع ملكها، وأن تكون جميع أملاكه وأملاك ذويه في غرناطة حرة من كل حق ومغرم، وأن تكون هذه العهود ملزمة لملك قشتالة ولعقبهما من بعدهما، وأخيرًا أن يوافق البابا على هذه العهود [1] . بيد أنه لم يمض قليل على ذلك حتى شعر مولاى الزغل أنه يستحيل عليه الاستمرار في ذلك الوضع المهين، فنزل لفرناندو عن حقوقه وامتيازاته لقاء مبلغ ضخم، وجاز البحر إلى المغرب، ونزل في وهران أولا ثم انتقل إلى