فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 3000

لم يستجب إلى دعوته [1] . ولم يكن ابن حفصون ثائرًا عاديًا يعتمد فقط على أساليب العنف، ولكنه كان صاحب دعوة سياسية يدعو الكافة إلى اعتناقها. وقد كان ابن حفصون حسبما قدمنا مولّدًا، يمثل في ثورته، كل ما يجيش به المولدون نحو العرب الفاتحين ونحو حكومة قرطبة من الحفيظة والبغض. وقد أشرنا من قبل في حديثنا عن عناصر الأمة الأندلسية، إلى أولئك المولدين - وهم الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - وبينا كيف كانوا يؤلفون عنصرًا من أهم عناصرها، من حيث الكثرة والمستوى الإجتماعي، وقد كانوا بالرغم من اندماجهم في المجتمع الإسلامي يحتفظون دائمًا، بنزعة إستقلالية واضحة، ويبغضون العرب والبربر معًا، وقد ظهرت هذه النزعة الاستقلالية بالأخص في الثغر الأعلى، حيث لبث بنو موسى، وبنو عمروس، وبنو الطويل، وهم جميعًا من الأسر المولدة القوية، عصرًا يتحدون السلطة المركزية ويقاومونها. وكانت ثورة ابن حفصون زعيم المولدين في الجنوب، هي المرحلة الثانية لتلك النزعة الثورية التي رفع المولدون لواءها ضد حكومة قرطبة. وهكذا كان ابن حفصون يدعو المولدين ومن إليهم من عشاق الخروج والفوضى، إلى تأييد قضية الإستقلال والحرية، ويذكرهم بما ينالهم من عسف السلطان، وانتزاعه لأموالهم، وتكليفهم فوق طاقتهم، وكيف أذلتهم العرب واستعبدتهم، وقضت على حرياتهم واستقلالهم؛ وأنه إنما ينهض ليأخذ بثأرهم، ويرفع عنهم نير الطغيان والعبودية. وناهيك بما كانت تبثه هذه الدعوة المثيرة، في نفوس سكان هذه المناطق الجبلبة من الحماسة والتعلق بقضية الحرية، وهي لا تعني في نظرهم سوى التفاني في مقاتلة حكومة قرطبة. وهكذا كانت الجموع الغفيرة تحتشد حول ابن حفصون ودعوته، ويشتد نفوذه ويمتد سلطانه بسرعة؛ وبالرغم من أن حكومته كانت تقوم على الخروج والثورة، وكان معظم صحبه من أهل البغي والشر، فقد كان الأمن يسود المناطق التي يسيطر عليها؛ وكان صارمًا في أحكامه وعقوباته، شديدًا على كل مخالف ومستهتر، وكان فوق ذلك كله متوددًا لأصحابه، متواضعًا يكرم الشجعان ويثيبهم، فكانت هذه العوامل كلها مما يقوي نفوذه ويوطد سلطانه [2] .

(1) ابن حيان في المقتبس (القسم المطبوع) ص 93.

(2) البيان المغرب ج 2 ص 117 و118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت