فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 222

وصلنا إلى نهاية الرحلة، في نفس الوادى الضيق الذى كنا فيه عام 82، وكان مولوى نظام

الدين في إحتماع مع كومندانات المنطقة، وبعض المناطق المجاورة في غرفة كانت المسجد

القديم لمعسكرنا السابق. تسللت إلى الغرفة وجلست على الحافة، ولم يلاحظنى أحد في الغرفة

المزدحمة فالجميع مشغول في حوار جماعى، خرجت بهدؤ وقمت بجولة في منطقة الذكريات.

عدت صوب غرفة الإجتماعات عندما شاهدتهم يخرجون منها. رآنى مولوى نظام الدين

وجاءنى معانقًا بترحاب، وقال لى أنه متوجه في الحال إلى بارى، وسألنى إن كنت سأبقى

فى ليجاه أم أذهب معه. فقلت له بل آتى معك. فسألنى: كم عددكم؟.

وكأنه قد وضع ملحًا في جرح لم يندمل فأجبته بتلقائية وبدون تركيز كبير: أنا واحد فقط.

وربما كانت النبرة مؤثرة بدون أن أشعر، فقد أقدم نحوى وعانقنى مرة أخرى وقال ضاحكًا

بمرح، ربما ليخفف عنى:"إن الله واحد .. وأنت واحد ولكن الله معك".

سرنى ذلك القول وحسن معنوياتى. ثم ركبنا جميعًا في سيارة"بيك آب"ذات كابينة مزدوجة.

جلس هو إلى جانب السائق وكنت أجلس وراءه على المقعد الخلفى، وبدأت رحلة أكتشفت فيه. أن أحداثًا كثيرة هامة قد فاتتنى منذ غادرت بارى في أبريل من العام الماضى 1988 أهم تلك الأحداث كان الإنسحاب الواسع الذى قامت به القوات الشيوعية وتخلت فيه عن مناطق هامة. وكان أخطر تلك الإنسحاب وأوسعها مدى هو إنسحاب عن المناطق الشرقية من الوادى،

مع الطرف الجنوبى الشرقى. وكاد أن يؤدى ذلك الأنسحاب إلى إنهيار كامل في الموقف

العسكرى، عندما رافقته مطاردة غيرمتوقعة من جانب المجاهدين، فحدث إرتباك حاد في

صفوف الجيش والميليشيات فتركوا مواقع لم يكن من الفروض تركها فتركوا جبا ً لا هامة

ونزلوا إلى الوادى في عملية فرار في إتجاه المدينة، ولكن توقفت عملية المطارده عندما

إستشهد صديقنا القديم"منان"الكوتشى، الذى كان يقود رجاله في عملية المطاردة، فتوقفوا

فورًا وإنشغلوا في نقل زعيمهم إلي الخلف لدفنه.

إن ما حدث وقتها كان أشد خطورة وتأثيرًا على الموقف العام في خوست، من حيث تعرضها

للسقوط، وبالتالى تأثيره السياسى على الوضع العام في أفغانستان، لكن"الإعلام العالمى"

تجاهل خوست تمامًا وركز على جلال آباد ليؤكد مرة أخرى إرتباطه بالقوى السياسية العالمية

والعمل الوثيق تحت إمراتها ووفق مصالحها العليا.

لقد ركزوا حيث يمكن تصنيع الهزيمة في جلال آباد، أو المقبرة الكبرى في أفغانستان، وصرفوا الأنظار عمدًا عن المكان الوحيد المهيأ لإنتصار عسكرى حاسم في تأثيراته.

لاحظت أن إنسحاب محدودًا قد حدث في ليجاه فترك العدو السلاسل الجبلية كلها، وكان يحتفظ

بأحداها على يسار مدخل الممر المؤدى إلى داخل الجبال. لقد تراجعت القوات الحكومية إلى

حزام القرى على حافة الوادى تاركة شريطاضيقا نسبيًا بين سلسلة الجبال والحزام الأمني

الجديد من ذلك الشريط عبرت سيارتنا من ليجاه إلى بارى التى دخلناها أيضًا من ممرها

الطبيعى الذى يربطها بالوادى والذى يبدأ متسعًا ثم يضيق تدريجيًا. كانت الرحلة مثيرة جدًا

بالنسبة لى، فلقد أدهشنى كثيرًا ذلك التطور، فقد كان مجرد حلم بعيد جدًا عن إمكانية التنفيذ،

ولكننى أراه الآن فجأه بلا تمهيد.

كان الإنتقال في السابق بين ليجاه وبارى لايتم بالسيارة بل بالأرجل أو على الدواب، أما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت