فهرس الكتاب
أما من يعبد الله ويعبد معه غيره فهذا هو الشرك، وهو الواقع من قوم إبراهيم عليه السلام فقد عبدوا الله، وعبدوا معه آلهتهم، كما دلت الآية، قال تعالى: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } وهذا مع الأسف هو واقع كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، فيعبدون الله، ويعبدون معه غيره من أصحاب القبور بالذبح لها، والطواف حولها، وغير ذلك، فوقعوا في الشرك الأكبر.
والكلمة الباقية هي: (لا إله إلا الله) بإجماع أهل العلم، وقد عبر عنها الخليل عليه السلام بمعناها الذي أريدت به، فعبر عما نفته بقوله: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } وعما أثبتته بقوله: { إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } أي خلقني، فقصر العبادة على الله وحده، ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك.
قال ابن كثير رحمه الله: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي (لا إله إلا الله) جعلها في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله منهم.
وقد عاب الله عز وجل وحذر من الوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى قال تعالى عنهم: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة: 31] .
أقام ربنا سبحانه وتعالى لعباده شريعة ومنهاجًا يصلح لكل زمان.
ومكان فأحل لهم ما ينفعهم، وحرم عليهم ما يضرهم وأخبر سبحانه في الآية عن اليهود والنصارى أنهم أطاعوا علماءهم وعبادهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، فأنزلوهم بذلك منزلة الرب الذي من خصائصه التحليل والتحريم، فمن أطاع مخلوقًا في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فقد اتخذه شريكًا مع الله، وذلك شرك أكبر ينافي التوحيد، وهو شرك الطاعة.