الصفحة 62 من 146

بكثرة ورود النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعًا، النهي عن الشرك، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس ولعل في هذا توجيهًا للأنظار إلى أن هذه الأمور الثلاثة تشترك في صفة القتل، فإذا نظرنا إلى جريمة الشرك نجد أنها قتل للقلوب وإماتة للفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالقلوب التي لا تعيش على التوحيد قلوب ميتة، قد قضي على ما فيها من فطرة يؤيد هذا الفهم قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} 1 الآية. فليس المراد موت الأجساد بخروج الأرواح منها، بل المراد موت القلوب بخلوها من نور الحق، وبرهان الشرع، والشرع لا يقوم إلا على اعتقاد سليم وبرهان قويم. وجريمة الزنا قتل للجماعة حسًا ومعنىً، فالجماعة التي تشيع فيها الفاحش جماعة ميتة معنويًا من حيث عدم وجود الغيرة التي من أعظم الأسباب في حماية المجتمع من هذا الوباء القاتل ولذلك وصف بها النبي ربه عز وجل فقال:"ما من أحد أغير من الله عز وجل"2 فإذا قتلت الغيرة في الجماعة استشرى الخطر، وعم البلاء، أما قتلها حسًا فإن مصيرها إلى الفناء والدمار لا محالة لاندفاعها خلف هذه الشهوة المحرمة حتى بلغت مستوى الدواب بل هم أضل سبيلا. وقد جاء في بلاغات الإمام مالك عن ابن عباس أنه قال:"… ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم المَوت ..."3 قال ابن عبد البر:"قد رويناه متصلًا عنه، ومثله لا يقال بالرأي"4. ويؤيد قوله هذا أن ابن ماجة قال: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي5، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب6، عن ابن أبي مالك7 عن أبيه8 عن عطاء بن أبي رباح9، عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ..."10 الحديث. وله شاهد من حديث ميمونة أخرجه الإمام أحمد رحمه الله11. وفي نظري أن هذا الخبر لا يقل

1 الآية (122) من الأنعام.

2 الصحيح مع الفتح 13/383، وصحيح مسلم 4/2113.

3 الموطأ 2/460.

4 قاله محمد فؤاد تعليقًا على المصدر السابق. ولا أراه إلا في التمهيد. ولم أقف عليه.

5 ثقة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.

6 صدوق يخطئ من رجال البخاري مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.

7 خالد بن يزيد بن عبد الرحمن ضعيف، مع كونه فقيهًا، قد اتهمه ابن معين، مات سنة خمس وثمانين.

8 يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، صدوق ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها.

9 ثقة، كثير الإرسال، مات سنة أربع عشرة ومائة.

10 ابن ماجه 2/ 1332.

11 المسند 6/ 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت