الصفحة 72 من 4199

ولا يحل الحكم بالظن أصلا (1) لقول الله تعالى (ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا) ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) وبالله تعالى التوفيق *

(1) اقول هذا النفي في انه لا يحل الحكم بالظن مشكل غاية الاشكال وقد آن أن نحقق البحث للناظرين دفعا للاغترار بكلام هذا المحقق رحمه الله فنقول: الظن لفظ مشترك بين معان يطلق على الشك كما صرح ائمة اللغة ففى القاموس: الظن التردد والراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم انتهى فهذان اطلاقان.

ويطلق على اليقين كما في قوله تعالى (الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم إليه راجعون) مع قوله في صفة المؤمنين (وهم بالآخرة هم يوقنون) لانه لا بد من اليقين في الايمان بالآخرة

ويطلق على التهمة كما في قوله تعالى (وما هو علي الغيب بظنين) فيمن قرأه بالظاء المشالة اي بمتهم كما قال ائمة التفسير.

وإذا عرفت هذا عرفت ان المذموم من الظن هو ما كان بمعنى الشك وهو التردد بين طرفي الامر، فطرفاه مستويان لازاجح فيهما، فهذا يحرم العمل به اتفاقا وهو الذى هو اكذب الحديث، وهو الذى لا يغني من الحق شيئا، وهو بعض الاثم الذى اراد تعالى (ان بعض الظن اثم) وذلك لما تقرر في الفطرة وقررته الشريعة ان لا عمل الا براجح يستفاد من علم أو ظن.

واما الظن الذي بمعنى الطرف الراجح فهو متعبد به فطعا بل اكثر الاحكام الشرعية دائرة عليه: وهو البعض الذى ليس فيه اثم، المفهوم من قوله تعالى (ان بعض الظن اثم) فان خبر الآحاد معمول به في الاحكام وهو لا يفيد بنفسه الا الظن.

والمصنف (ابن حزم) تقدم له ان الجاهل يسال العالم عن الحكم فيما يعرض له فإذا افتاه وقال هذا حكم الله ورسوله عمل به أبدا، ومعلوم ان هذه رواية آحادية من العالم بالمعنى ولا تفيد الا الظن وقد أوجب قبولها، وكذلك امر الله باشهاد ذوى عدل فان شهدا وجب على الحاكم الحكم بما شهدا به، وشهادتهما لا تفيد الا الظن، بل كونهما ذوي عدل لا يكون الا بالظن، بل قال صلى الله عليه وسلم (انكم تختصمون الي) إلى قوله (فانما اقطع له قطعة من نار) وهذا صريح انه صلى الله عليه وسلم حكم بالظن الحاصل عن البينة، إذ لو كان بالعلم لما كان المحكوم به قطعة من نار، لانه يجوز ان البينة التى حكم بها باطلة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت