ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع: [ أما من اعتقد فيمن يناديه بأنه من أهل العطاء وما ملك إلا بتمليك الله، ولا يتصرف إلا بإذن الله؛ فهو موحد ... إلخ ] .
فنقول: لا حاجة لنا في التنقيب عن معتقده الذي يقوم بقلبه فإنه أمر خفي، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنحن نأخذه بالظاهر، فإن أفعاله تعبر عما في ضميره، ولو حاول تغييره لم يستطع، ثم نقول أيضا كيف يصلح اعتقاد أن المخلوق من أهل العطاء؛ أي أنه يملك أن يعطي من يشاء مغفرة ورزقا ومالا وولدا وصحة وغنى... إلخ؟ فإن الذي يملك ذلك هو الله وحده كما وصفه نبيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بقوله: « اللهم لا مانع لما أعطت ولا معطي لما منعت » (1) وقد أخبر الله عن كل ما يدعي من دونه بأنهم ? مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ? [ سورة فاطر، الآية: 13 ] .
وإن أراد الكاتب أنه من أهل العطاء؛ أي الذين أعطاهم الله نوعا من التصرف والملكية؛ فهذا لا دليل عليه، وإنما خصائص الأنبياء نزول الوحي عليهم وتكليفهم بالتبليغ عن الله ما نزل إليهم، ولم يعطهم شيئا من حقه الذي هو الدعاء والعبادة والتأله، ولا ملّكهم رزق العباد، وهبة الأولاد، وشفاء الأسقام البدنية، وغفران الذنوب ونحوها، وعلى هذا فمن اعتقد في نبي أو ملك أو ولي أو أي مخلوق، أنه مفوض من الله في إهلاك من شاء، أو إعطاء من أراد، أو إدخاله جنة أو نارا؛ فقد صادم النصوص، وأشرك المخلوق في حق الخالق.
فإن الله تعالى قال لرسوله محمد ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهو أشرف خلقه وأفضلهم:
(1) رواه البخاري كما في الفتح: 2/378 - برقم (844) في الآذان، باب الذكر بعد الصلاة. عن المغيرة بن شعبة.