الصفحة 25 من 85

فهل يقال بعد هذا: إنه هو أو مَنْ دونه بعد موته يملك بتمليك الله النفع والضر والإعطاء والمنع، وأنه بناء على ذلك يُطلب منه كما يُطلب من الله؛ فيُدعى ويُرجى وتعلق عليه الآمال، ويخشع له العبد ويتواضع، ويقف أمام قبره خاضعا ذليلا وخائفا راجيا، فإن هذا كله لازم قول هذا الكاتب؛ حيث أباح نداءه وجعله مالكا متصرفا فيما هو من خصائص الرب تعالى، وقد صح عن نبينا ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنه قال لعشيرته الأقربين: « أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئا » وقال لعمه العباس: « لا أغني عنك من الله شيئا » (1) .

وهكذا قال لعمته ولابنته فاطمة الزهراء وأمرهم بأن يعملوا عملا صالحا لوجه الله ينقذون به أنفسهم من النار، ولا يعتمدون على قرابتهم منه أو شرفه عند الله، بل قال في حديث آخر: « ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه » (2) وكل هذا حث للمسلم أن يعمل لله عملا خالصا لوجهه يكون سببا لنجاته يوم القيامة، فلا يعتمد على نسب ولا حسب ولا يرغب إلى أي مخلوق يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يعظمه كتعظيم الله تعالى، أو يعقد عليه أمله، أو يعتقد أنه يملك من أمر الله شيئا، مع قول الله عز وجل لنبيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ? لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ? [ سورة آل عمران، الآية: 128 ] وقوله: ? قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ? [ سورة آل عمران، الآية: 154 ] فهل ذكر الله تعالى أنه قد ملك أحدا من خلقه شيئا من حقه؟

أو فوض إليه التصرف في عباده، بأن يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ولقد قال تعالى: ? وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ?

(1) رواه البخاري برقم 2753، عن أبى هريرة.

(2) جزء من حديث رواه مسلم برقم (2699) في الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر. عن أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت