وكذلك قول بعضهم: إن المواعظ إذا ظهرت من القلب وصلت إلى القلب، وإذا ظهرت من اللسان لم تجاوز الآذان. فالذي يأمر بالمعروف ولكنه لا يمتثله، وينهى عن المنكر ويخالف فيفعله، لا تقع مواعظه موقعا سليما، ولو لم يظهره. فالموعظة الخالصة تعرف من الرجل الناصح، وذلك لحسن موقعها وحسن آثارها.
فعلى كل حال: إذا بدأ الإنسان بنفسه فأصلحها، انتقل إلى غيره. قال الشاعر:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى * * * طبيب يداوي الناس وهو سقيم
يا أيها الرجل المعلم غيره * * * هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * * * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهنالك يقبل ما تقول ويهتدى * * * بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * * * عار عليك إذا فعلت عظيم
وذلك أن الإنسان مأمور بأن يصلح حاله وحال أهله ومن هو مسؤول عنهم، فإذا أصلحهم لم يكن عليه أي اعتراض، ومن أراد الإنكار والاعتراض عليه وهو قائم بالحق، ومكمل له، لم يجد ما يعترض به.
أما إذا قصَّر الإنسان في نفسه، أو في أهل بيته، أو في أولاده، أو في من تحت يده، أو نحو ذلك، فإن الناس يعترضون عليه، ويقولون: لو كان صادقا لبدأ بأهل بيته، وبمن تحت يده.
وبالجملة: فمتى أراد الإنسان أن يكون لعمله أثر، فإن عليه أن يكمله ويأتي به على وجهه، حتى يرى أثره عليه، وإذا فعل ذلك فإن له أجرا كبيرا، وهو أن يثيبه الله -تعالى- مثل أجر من اهتدى على يديه، كما جاء في الحديث الشريف عنه -صلى الله عليه وسلم-:"من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل أوزار أو آثام من اتبعه، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا" [1] .
فعلى المسلم أن يعرف هذا الأمر، ويجتهد فيه حتى يُثاب عليه إن شاء الله -تعالى- ويسلم من العقاب.
ما يتصف به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر
(1) أخرجه مسلم برقم (2674) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.