الصفحة 8 من 136

ولم يُغفل التّاريخ شخصيّةً كان لها دورٌ بارز ـ وإن لم يدرك بعضنا ذلك ـ في صياغة شخصيّة الإمام: إنّها أمّهُ: صفيّة بنت ميمونة بنت عبدالملك الشّيباني من بني عامر .

لم تحدّثنا المصادر كثيرًا عنها ، إلاّ أنّه من الثّابت أنّها هي الّتي كفلته بعد وفاة أبيه ، قال صالح ابنه: ( جيء بأبي حمَلٌ من مرو، فمات أبوه شابًّا فوليته أمّه ) (1) .

وقال هو عن نفسه: ( ثقبت أمّي أذنيّ فكانت تصيّر فيهما لؤلؤتين ، فلمّا ترعرعتُ نزعَتهما فكانت عندها ، ثمّ دفعَتهما إليّ فبعتهما بنحو ثلاثين درهمًا ) (2) .

كما يتبيّن ممّا نُقل أنّها كانت تحثّه على طلب العلم ، بل وتُشرف على ذلك منذ صغره ، اسمع إليه يقول: ( ربّما أردت البكور في الحديث ، فتأخذ أمّي بثوبي وتقول: حتّى يؤذّن المؤذّن) (3) ، أي أذان الفجر ، فكان من حرصه يريد الخروج قبل الفجر إلى حلْقة المحدّث ليكون قريبًا منه فيستطيع السّماع بوضوح ، ولكنّها كانت تتابعه فتمنعه من الخروج حتّى يؤذّن الفجر ، إذ حينها يكثر خروج النّاس للصّلاة فتأمن عليه وهو صغير في الذّهاب بمفرده للتّعلّم ، ونلاحظ هنا ملاحظتين: أولاهما: أنّها كانت تشرف مباشرةً على تربية ولدها ، لم تتركه لغيرها من أقاربه فضلًا عن أن تتركه لخادمةٍ كافرةٍ أو فاسقةٍ لاهية ، كما تفعل بعض أمّهات هذا الزّمان.

والثّانية: أنّ خوفها ومحبّتها الفطريّة لولدها لم تجعل منها عائقًا له من العلم والارتقاء ، وإنّما استطاعت الموازنة بينهما ، وبعض الصّالحين في هذه الأيّام للأسف الشّديد من الآباء فضلًا عن الأمّهات يتملّكه الخوف على أولاده ويعاملهم بحنانٍ زائدٍ حتّى يُفضي بهم ذلك إلى الميوعة والرّكود ، مع كونهم على درجة من الصّلاح ، ولكن ما يجدي أن يكون صالحًا خاملًا ؟ أليس حريٌ بالصّالحين أن يربّوا أبناءهم على الطّموح والجدّ منذ صغرهم ؟ .

(1) السّير 11 / 179 .

(2) السّير 11 / 179 .

(3) السّير 11 / 306 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت