الصفحة 156 من 468

العلم الأوروبي إلىت العربية وأن يؤلف بالعربية في هذه العلوم حتى يستغنى بعد قليل عن استجلاب الأساتذة الأوروبيين للمدارس الثانوية والعالية وهذا ما كاد يحدث فإن كثيرا من الكتب قد ترجم يومئذ إلى العربية في أنواع العلوم كالطب والهندسة والرياضيات والعلوم الحربية وطلع أيضا بمصر طباعة جيدة ولكن يظهر أن القناصل خوفوا هذا الطاغية الجرئ عقبي تيسير العلوم لطلابها من أبناء مصر ينشرها بلسانهم وزينوا له أن يقتصر على البعثات التي تدرس في الخارج فانتهى الأمر بأن حبست هذه الكتب في مخازن القلعة وحيل بين اللسان العربي ومتابعة العلم في ذلك العهد البعيد فكانت أول فجوة حدثت بين التعليم ولغة التعليم وصار المتخرج في البعثات يحسن لغة البلاد التي تعلم بها ويحسن التعبير بها في العلم الذي درسه ثم لا يحسن مثله في لغته التي ينتمي نسبة إليها وبعد قليل بدأت طلائع إرساليات التبشير تفد إلى مصر وتنشئ المدارس وتحدث في بيوت المسلمين وغير المسلمين صدعا كان يصعب اتقاؤه يومئذ لقلة المتنبهين إليه.

وظل الأمر يستشري ويزداد سوءا في أواخر عهد محمد عليّ إلى أن هبت رياح أوشكت أن توقظ الناس إلى نهضة صحيحة تبدأ من حيث ينبغي البدء وذلك عندما حدث ما دعا إلى إعادة فتح المدارس فيما بين سنة 1863 وسنة 1879 وما دعا إلى حركة إحياء بين أفراد أفذاذ من علماء الأزهر وما دعا إلى إنشاء مدرسة دار العلوم وابتدأت طلائع النهضة الصحيحة بما أشرت إليه من ظهور نابغة البيان في ذلك الزمان محمود سامني البارودي الذي رد الشعر العربي إلى شباب فقده في عصور متتابعة قعدت بالهمم فضربتها بالعجز والتسليم بأنها لا تطيق أن تبلغ حيث بلغ الأوائل فجاء هذا الرجل آية على إمكان ذلك وكان ذلك في حوالي سنة 1870 وبدأ موكب النهضة يسير ويتكاثر في مسيره وكاد الأمر يفلت وإذا أفلت الأمر من أيدي الغزاة يومئذ ونجت مصر في سنة 1882 من طغيان أسرة محمد عليّ وفسادها ومن احتلال الإنجليز بهزيمة عرابي لتغير تاريخ هذه المنطقة ولاحتفل السيل فجرف هذه المكايد الصغار التي كانت تكاد يومئذ ولطمست الفجوة التي كانت قد انشقت بين التعليم ولغة التعليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت