الصفحة 188 من 468

وتوينبي أحد أذكياء المؤرخين وعلم من أعلامهم وبذكائه وعلمه انتبه إلى ما يغفل عنه من يعدون أنفسهم أو كان الناس يعدونهم ولا يزالون أهل حكمة ورأي من أهل جلدتنا ولكنه حين درس المسألة التركية وحللها كان خاضعا خضوعا تاما لوراثة قومه عداوة الترك لأنهم كانوا كتيبة من كتائب الإسلام في مد ثلاثة عشر قرنا صدمت جدار الحصن المنيع الذي اعتصمت به أوروبا المسيحية منذ عادت أدراجها هزيمة عن آخر معركة صليبية ثم نفذت فيه وتركت كلمة الله تعلو فغوق شواهق جباله ومع كل ذلك فقد كان الرجل صادقا في نظره وإن اساء تصوير المسألة التركية ولذلك لم تحجبه هذه العلة القادحة في بعض نظره من أن يفضي إلى نتيجة صحيحة حين نظر إلى العالمك العربي وأنكر سعي قومه منذ كان لهم علينا سلطان إلى أن تفتيت وحدتنا إلى دويلات لا تقوم واحدة منهن في هذا العالم بنفسها مهما بلغت من القوة ولا سيما في هذا العصر الذي تتنازع السيادة فيه القوى العلمية لا تجدي نفعا يذكر في هذا الصراع الضخم.

ولم ينج توينبي في نظرة إلى المسألة الإسلامية من داء الحضارة الغربية المتوارث وهو التفرقة بين الأجناس وإن اتحدت العقائد فلذلك عد الترك لأنهم ترك جزءا منفصلا عن القومية العربية كما فعل ذلك بقارس وباكستان والهند وسائر بلاد إفريقية وغيرها لأنهم جنس غير عربي الأصل هذا مع تنبهه إلى أن الإسلام يوجب على المسلمين أن يكونوا إخوة لا يفرق بينهم اختلاف في جنس أو لغة أو وطن.

ولكن لو كان توينبي أعاد النظر وهو برئ من داء قومه في التفرقة العنصرية لعلم أن الأمر كان على غير ما يتصور وعلى غير ما يراه اليوم في ظاهر أمر هذا العالم الإسلامي بعد البلاء الذي نزل به من مكايد أهل جلدته وملته فكل أمة دانت بالإسلام من غير أهل جزيرة العرب الذين خرجوا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وسائر خلفاء الإسلام من بعدهم كانت بين أحد أمرين إما أن تدين بالإسلام ثم لا تلبث أن تطرح ماضيها كله من لغة ودين ثم تتخذ العربية لغتها والإسلام دينها وتخالط العرب مخالطة تامة حتى يذهب الجنس كله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت