الصفحة 207 من 468

فمن الغفلة التي تطمس القلب والعين والعقل ان يعرف ذلك إنسان له بقية من نخوة أو كرامة أو عقل ثم لا يعيد النظر في كل أمر من أمور الأمة العربية والإسلامية ليرى أثر إصبع التبشير العامل على تحطيم النفس العربية المسلمة في كل ناحية من نواحى الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية وليبصر عيانا صدوع التحطيم والهدم ظاهرة في حياتنا وليدرك أن العدو الذي يريدنا أن نعتنق مبادئ الحضارة الغربية وأن نعيش طريقة العيش الغربية إنما يريد أن يقوض بناء كاملا تم كماله في قرون متطاولة وبقى يقارع الخطوب والأحداث والنكبات دهورا محتفظا بقوته وكيانه ولم يجترئ عليه العالم الأوربى المسيحي إلا بعد طول تردد في القرن التاسع عشر فما قال توينبى.

ولأن أحكم عروة كانت تربط العالم الإسلامي على أختلاف ألسنته وأجناسه في قارتى آسية وأفريقية هي لغة العرب التي بها نزل القرآن كما قال القس المبشر زويمر وكما أشار إلى بعض ذلك المؤرخ الإنجليزى توينبى فإن التعليم الذي فرضه الاستعمار الغازى على العالم الإسلامي والذى تولاه التبشير بفتح مدارسه في كل بلد من بلاد هذا العالم اعتمد أول ما اعتمد على محاربة اللغة العربية حيث كانت كما شهد بذلك الأستاذ الفاضل جرجس سلامة في كتابه عن التعليم الأجنبى في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين (1) ، وكما يدل عليه أيضا ما انتهت إليه مدارسنا من الأستهانة بشأن اللغة العربية وظهور ذلك ظهورا بينا في جميع نواحى حياتنا التي نحياها اليوم وسبب هذا البلاء الذي نعانيه إنما هو الهدف الذي اراده دنلوب بنظامه الذي سير عليه المدارس المصرية حينا طويلا بأن يجعل اللغة الإنجليزية هي السائدة في التعليم كله ويجعل لغة البلاد كأنها لغة أجنبية تدرس في غربة شديدة على نفوس الناشئة فلا يكاد يطول زمن حتى ينحل الاهتمام بها شيئا فشيئا حتى تكاد تصبح لغة غريبة على ابنائها وأهلها، وهكذا

(1) انظر ما سلف ص: 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت