الصفحة 260 من 468

هذه أول مرة استبيح لنفسى ان اجعل ما تسمعه اذناى ماده لبعض حديثى إلى الناس بالكتابة فذلك ليس من شيمتى ولا خلقى لانى اعد اللجوء إلى هذا النمط ولا سيما حين اتنأول امرا من امور الأدب أو العلم أو السياسه أو غيرها خروجا على ما ادبنى به طول اعتزالى الناس من ترك المبالاه بما تتلاغظ به جماهير من الخلق تعد خطأ في المثقفين وليسوا بهم ولكنهم إذا حصلت ما في صدورهم وقلوبهم وعقولهم أصحاب ثرثرة وترترة وبربرة (وهى ثلاثه ألفاظ متقاربة في معانى اللغظ والاكثار والهذر بيد أن الفروق بين ثلاثتها تدل على ان هذه اللغة الشريفة غاية في براعة التصوير بألفاظها الجامعة) . وهم أيضًا في حقيقه أمرهم مزامير مزعجه مختلطه الاصوات في المجالس أو شجر مر الثمر مزروع على قوارع الطرق أو احلاس مرذولة لكهوف المقاهى المظلمة أو المضيئة ولكنها على ذلك كله احلاس ذات فحيح أو ذات جعجعه ثم لا شئ وراء ذلك الا ما قدر المقدر من تكاثرها وانتشارها وشيوعها في حياتنا بأسباب يعجب المرء كيف جاءت ولم اتفقت فاذا هي في زى استاذ أو مفكر أو فيلسوف أو أديب أو شاعر أو كاتب أو فنان أو ما شئت مما تعلم وترى وتسمع وقد أجاءنى طول اختبارى له وتجربتى (أجاءنى أي اضطرنى إلى أضيق الطرق) أن أعتزل عشرتها ومصاحبتها منذ زمان وأن أنفض ثوبى من ثيابها وأن اقنع بعشرة أهل الفضل من قليل الناس حتى خلتنى قد دخلت مع شيخ المعرة رحمه الله فيما دخل فيه، حيث وعظ نفسه وقال:

لم يبق في العالميين من ذهب ... وإنما جل من ترى شبه (1)

دعهم فكم قطعت رقابهم ... جدعا ولم يشعروا ولا أبهوا

(1) "الشبة"، ضرب من النحاس، يلقى عليه دواء فيصفر وإذا فعل به ذلك أشبه الذهب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت