الصفحة 34 من 76

(( وَالثَّمَرَاتِ ) )أي: لا تُغِلّ الحدائق والمزارع كعادتها. كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة.

وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه الله، ومن قنط أحل الله به عقابه. ولهذا قال: (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) )

ثم بيَنَّ تعالى مَنِ الصابرون الذين شكرهم، قال (( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) )أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنَّهم ملك لله يتصرف في عبيده

بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثْقال ذرَّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة.

ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال (( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) )أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.

قال سعيد بن جبير: أي أَمَنَةٌ من العذاب (( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) )

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدْلان ونعمت العلاوة (( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) )فهذان العدلان، (( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) )فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل وكذلك هؤلاء، أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا. انتهى. [1]

وقال السعدي رحمه الله:

أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده (( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ) )من الأعداء (( وَالْجُوعِ ) )أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.

(( وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ ) )وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.

(1) تفسير ابن كثير (1/ 467)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت