فهرس الكتاب
قال السعدي: وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى (( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) )أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب. فالصابرين، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة
وقال تعالى: (( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) ) [1]
فذكر سبحانه أوصاف المتقين وجعل أولها (( الصابرين ) )، فأهل الصبر هم أهل التقوى وأهل الإيمان، الراضون بقضاء الله تعالى، والصابرون في السراء والضراء.
الصبر ضياء:
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ) [2]
قال النووي:
هَذَا حَدِيث عَظِيم أَصْل مِنْ أُصُول الْإِسْلَام , قَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّات مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ,
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالصَّبْر ضِيَاء) فَمَعْنَاهُ الصَّبْر الْمَحْبُوب فِي الشَّرْع , وَهُوَ الصَّبْر عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَالصَّبْر عَنْ مَعْصِيَته , وَالصَّبْر أَيْضًا عَلَى النَّائِبَات وَأَنْوَاع الْمَكَارِه فِي الدُّنْيَا , وَالْمُرَاد أَنَّ الصَّبْر مَحْمُود , وَلَا يَزَال صَاحِبه مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَاب
قَالَ إِبْرَاهِيم الْخَوَاصّ: الصَّبْر هُوَ الثَّبَات عَلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّة. وَقَالَ اِبْن عَطَاء: الصَّبْر الْوُقُوف مَعَ الْبَلَاء بِحُسْنِ الْأَدَب. وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَلِيّ الدَّقَّاق رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: حَقِيقَة الصَّبْر أَنْ لَا
(1) عمران (16 - 17)
(2) رواه مسلم في الطهارة باب فضل الوضوء (328) ، والترمذي في الدعوات (3439) ، وابن ماجه في الطهارة (276) ، وأحمد (21828) ، والدارمي في الطهارة (651) .