فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 150

مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ )) . [1]

قال تعالى (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) ) [2]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وَأَمَّا قَوْلُهُ (( يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) )وَفِي رِوَايَةٍ: (( وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) )فَالْمَغْفِرَةُ الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: الْمَغْفِرَةُ لِمَنْ تَابَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ .. إلَى قَوْلِهِ .. ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) )فَهَذَا السِّيَاقُ مَعَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعْنَى لا يَيْأَسُ مُذْنِبٌ مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّه وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ مَا كَانَتْ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ لِعَبْدِهِ التَّائِبِ. وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ الشِّرْكُ وَغَيْرُهُ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَابَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى (( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ .. إلَى قَوْلِهِ .. فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) )وَقَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى (( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) )وَقَالَ (( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) )إلَى قَوْلِهِ (( أَفَلا يَتُوبُونَ إلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) )

وَهَذَا الْقَوْلُ الْجَامِعُ بِالْمَغْفِرَةِ لِكُلِّ ذَنْبٍ لِلتَّائِبِ مِنْهُ - كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ - هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَثْنِي بَعْضَ الذُّنُوبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ تَوْبَةَ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدَعِ لا تُقْبَلُ بَاطِنًا لِلْحَدِيثِ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي فِيهِ (( فَكَيْفَ مَنْ أَضْلَلْت ) ).

وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّهُ يَتُوبُ عَلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ.

(1) الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 450)

(2) الفرقان (68 - 71)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت