فهرس الكتاب
وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:"أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ")) [1]
عن مُعَاذ بْنُ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ) ) [2]
قال المباركفوري:
(الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي) أَيْ لأَجْلِ إِجْلالِي وَتَعْظِيمِي.
(يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ) قَالَ الْقَارِي: مِنْ الْغِبْطَةِ بِالْكَسْرِ , وَهِيَ تَمَنِّي نِعْمَةً عَلَى أَلا تَتَحَوَّلَ عَنْ صَاحِبِهَا , بِخِلافِ الْحَسَدِ فَإِنَّهُ تَمَنِّي زَوَالَهَا عَنْ صَاحِبِهَا فَالْغِبْطَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ الْحَالِ كَذَا قِيلَ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْغِبْطَةُ حُسْنُ الْحَالِ وَالْمَسَرَّةِ , فَمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ مُطَابِقٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ , فَمَعْنَى الْحَدِيثِ يَسْتَحْسِنُ أَحْوَالَهُمْ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ. قَالَ: وَبِهَذَا يَزُولُ الإِشْكَالُ الَّذِي تَحَيَّرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: كُلُّ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الإِنْسَانُ أَوْ يَتَعَاطَاهُ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً لا يُشَارِكُهُ فِيهِ صَاحِبُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مَا هُوَ أَرْفَعُ قَدْرًا وَأَعَزُّ ذُخْرًا فَيَغْبِطُهُ بِأَنْ يَتَمَنَّى وَيُحِبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مَفْهُومًا إِلَى مَا لَهُ مِنْ الْمَرَاتِبِ الرَّفِيعَةِ أَوْ الْمَنَازِلِ الشَّرِيفَةِ , وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ فَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ قَدْ اِسْتَغْرَقُوا فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَةِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْلاءِ الدِّينِ وَإِرْشَادِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ , إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّيَّاتٍ أَشْغَلَتْهُمْ عَنْ الْعُكُوفِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا , وَالشُّهَدَاءُ وَإِنْ نَالُوا رُتْبَةَ الشَّهَادَةِ وَفَازُوا بِالْفَوْزِ الأَكْبَرِ , فَلَعَلَّهُمْ لَنْ يُعَامَلُوا مَعَ اللَّهِ مُعَامَلَةَ هَؤُلاءِ , فَإِذَا رَأَوْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مَنَازِلِهِمْ وَشَاهَدُوا قُرْبَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ , وَدُّوا لَوْ كَانُوا ضَامِّينَ خِصَالَهُمْ فَيَكُونُونَ جَامِعِينَ بَيْنَ الْحَسَنَتَيْنِ وَفَائِزِينَ بِالْمَرْتَبَتَيْنِ.
(1) رواه أبو داود في البيوع باب الرهن (3060) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ورواه النسائي وابن حبان
(2) رواه الترمذي في الزهد (2312) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ورواه أحمد (21052)