إن غاية الدعوة هي بناء إنسان قوي متوازن متكامل الشخصية: يمشي على الأرض، ويتطلع إلى السماء .. يعايش الواقع، ويرنو إلى المثال .. يعمل للدنيا، ولا ينسى الآخرة .. يجمع المال، ولا ينسى الحساب .. يأخذ الحق، ولا ينسى الواجب .. يتعامل مع الخلق، ولا ينسى الخالق .. يعتز بماضيه، ولا ينسى حاضره ومستقبله .. يحب قومه، ولا ينسى بني الإنسان .. يصلح نفسه، ولا ينسى إصلاح غيره .. يهتدي ويهدي، يأتمر ويأمر، وينتهي وينهى .. فهو دائمًا داع إلى الخير، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، حافظ لحدود الله، يتواصى مع سائر المؤمنين بالحق، وبالصبر، كما أمر الله (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [1] .
إنسان ميزه الله بالعقل، فيه خوطب، وبه كُلِفَ، وعلى أساسه كان ثوابه وعقابه، به يفهم الوحي، وبه ينظر في الكون، وكلاهما أثر من آثار الله، دال على علمه وقدرته وحكمته، فلا يقيم بينهما تعارضًا، بل تعاضدًا، فلا تناقض بين صحيح المنقول وصريح المعقول، بل يؤيد أحدهما صاحبه، فبالعقل ثبت الوحي وفُهِمَ، وبالوحي سُدِّد العقل وهُدي.
إنسان متوازن الشخصية، سوي النفس، لا يطغيه الغنى، ولا ينسيه الفقر، لا يستخفه النصر ولا تسحقه الهزيمة، لا تبطره النعمة، ولا تزلزله المصيبة، مطمئن القلب، راضي النفس، متفائل الروح، لا ييأس وإن سُدَّت في وجهه الأبواب، وتقطعت دونه الأسباب، موقن بأن مع العسر يسرا، وأن بعد الليل فجرًا، وبعد الضيق فرجًا، وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
إنسان يشعر بأنه مكرَّم من الله، مفضل من لدنه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [2] ، وأن الله قد جعله في الأرض خليفة له: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [3] ، وأن الله فضله بالعلم على الملائكة كما في قصة آدم (البقرة: 31 ـــــ 33) ، وأن الله سخر له ما في
(1) سورة العصر: الآيات 1 ــ 3.
(2) سورة الاسراء: الآية 70.
(3) سورة البقرة: الآية 30.