الصفحة 24 من 40

إن القرآن تبيان لكل شيء , وهدى ورحمة لقوم يؤمنون , وإن الأمور إذا بنيت عليه تمت مصلحتها , وكل أمر فقده فسد ونقص , والواقع يشهد بذلك ; وقد دلت أيضا هذه الآيات وغيرها أن العقل الصحيح مؤيد للشرع وشاهد له , وأن من خالف الشرع فقد خالفه بغير عقل صحيح , بل بجهل وضلال , كما قال تعالى عن جميع من حكم عليهم بالخلود في النار ممن عاندوا الشرع أنهم قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ; فأخبر أنهم فقدوا السمع , وهو الأدلة النقلية , وفقدوا العقل , وكيف يكون له عقل من أشرك بالله الخالق الرازق المدبر للأمور كلها , المتفرد بكل كمال أحدا من المخلوقين الناقصين من كل وجه؟ بل كيف يكون عقل لمن حجه الباري الذي لو شك الإنسان بكل شيء من المحسوسات والمعقولات لم يكن له أن يستجيز عقله الشك في الله؟ ولهذا قالت الرسل لأممهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟ وهذا استفهام إنكار , متقرر عند كل من له مسكة من عقل , أن الشك في الله حمق وجنون ومكابرة , ليس أكبر منها مكابرة. وقول بعضهم: إذا تعارض العقل والشرع قدمنا العقل. . هذا جهل عظيم بما دلت عليه عقول العقلاء , فإن العقل مؤيد للشرع , شاهد له , وهل يظن العاقل أن الشارع الحكيم يحكم بأحكام تخالف العقل الصحيح , فضلا عن أن يخبر بأخبار ينافيها الواقع؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ; ولهذا ينبه الله العقول والفطر على المطالب العظيمة والتوحيد والنبوة والمعاد مثل قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سورة سبأ: الآيتان 22 , 23] فنبه العقول على أمر تعرفه ولا تنكره , وهو أن كل ما عبد من دونه ليس له ملك ولا شركة في الملك , ولا مظاهرة ولا شفاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت