وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معًا عندما تقرب موعد الصلاة، وذات لقاء قلت له: يا فضيلة الشيخ، لماذا لا تستخدم مكبر الصوت (الميكروفون) في الخطبة فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام، فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور وقال: إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه. قلت: ولماذا؟ ألست الشيخ العلم القدوة إذا لم تفعل أنت ما تراه نافعًا فمن يفعله؟ أليس في استعماله خير وهو نشر تعاليم الدين وآدابه وإسماع أكبر عدد ممكن بواسطته، والنساء في بيوتهن حول المسجد يستمعن الخطبة عن طريق مكبر الصوت فيكون الخير قد تجاوز حدود المسجد، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ذلك لأنه سيتعرض لجهل الجاهلين، ونقد الناقدين وسيصيبه من أقوال الناس وإيذائهم واستنكارهم لما لم يألفوه شيء كثير فيكون له من أجل ذلك الأجر الكثير، ثم إنك يا فضيلة الشيخ إذا لم تستخدم مكبر الصوت في خطبة الجمعة فلن يجرؤ أحد على استخدامه من بعدك، وسيقول الناس: لو كان فيه خير لاستقدمه الشيخ السعدي، فتكون قد منعت استخدامه مستقبلًا من حيث لا تدري ولا تريد.