فهرس الكتاب
وهذا يستكفي بمؤنة تمدّه، ومراعاة ترضيه كالسبع الضاري إن أجعته هاج، وإن أشبعته لان، ليكون مدخورا للحاجة، فإن للزمان خطوبا لا تدفع إلا بشرار أهله، فإنه أخبر بها، وعلى دفعها أقدر، ولأهلها أقهر، فإن الحديد بالحديد يفلح.
فإن وجدت من هذا الداهية فتورا في همته وقصورا في منته كانت سراية مكره أنزر وتأثيره في الخطوب أيسر.
وإن كان عالي الهمة قوي المنّة يتطاول إلى معالي الأمور كانت سراية مكره أوفر وتأثيره في الخطوب أكثر فأعطه في كل حال من أمريه من الحذر والسكون بحسب ما تقتضيه همته وتبعث عليه منته ليكون قانونك مستقيما ومن دهاء مكره سليما لا ينالك خور من سرف، ولا استرسال من تقصير، قد جعل الله لكل شيء قدرا.
القاعدة الحادية عشرة في العزل:
والمقصود التنبيه على قاعدة العزل.
وأما قاعدة التولية والتقليد فتؤخذ من رسالة السياسة الشرعية لابن تيمية رحمه الله.
لا تؤاخذ أحدا بغير ذنب، ولا تطمع في ماله من غير خيانة أو إذن شرعي آخر.
ولا تقدم عليه من هو دونه ولا تمكنه من عدوّه ولا ترتب بباطنه وظاهره سليم، فتؤاخذه بالظن ويعجز عن دفعه باليقين «لا يؤاخذ بضمائر القلوب إلا علام الغيوب» .
لا تستبدله ونظره مستقيم، فتقلّ ثقته ويضعف نشاطه، فإن أضعت حقه بالاستبدال ظلمت نفسك، وكنت من غيره على خطر.
لا تؤاخذه بدرك ما جرّه القضاء وساقه القدر فتجعله معارضا لخالقه، وهل أنت إلا كمثله، وكيف تكون أفعال الله ذنوبا للعباد.
ولا تحمله ما ليس في قدرته، ولا تكلف ما ليس في طاقته: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} .
قال الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه الله: «وأما العزل فضربان:
أحدهما: ما كان من غير سبب فهو خارج عن السياسة لأن للأفعال والأقوال أسبابا إذا تجرّدت عنها كان الفعل عبثا، والكلام لغوا لا يقتضيه رأي حصيف ولا توجبه سياسة لبيب.