وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول صلى الله عليه وسلم فإن دعم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت يعتبر خطرًا على الإسلام ووقفا لنفوذه؛ لذلك لم يلتفت الرسول صلى الله عليه وسلم لفرار القافلة التفاته لضرورة التجوال المسلح في هذه الأنحاء إعلاءً لكلمة الله وتوهينا لكلمة الشرك، وإظهارًا لعبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضرًا.
ومضت قريش في سيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر.
وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا بعد أن قطعوا في مسيرهم مسافة تربو على مائةٍ وستين كيلومترًا (160) وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
وهبط الليل فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليا، والزبير، وسعدًا يتحسسون الأحوال ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يَمدّانِهم بالماء. فأتوا بهما وسألوهما- ورسول الله قائم يصلي- فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم هذا الخبر، ورَجوْا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل للاستيلاء على القافلة- فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، ولما فرغ الرسول عليه الصلاة والسلام من صلاته قال:"إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما1 صدقا والله إنهما لقريش"وناقشهما الرسول عليه الصلاة والسلام حتى استنتج عدد القوم وهو ما بين التسعمائة والألف وعرف مكانهم، وعرف أن أشراف قريش قد خرجوا جميعا.
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال:"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"2 وانكشف وجه الجد في الأمر. إن اللقاء المرتقب سوف يكون مُرً المذاق. لقد أقبلت قريش تخب في خيلائها تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها الوثنية بالحكم النافذ.
1 صحيح مسلم بشرح النووي 12/125، مسند أحمد رقم 948، ابن هشام 1/618،أبو الفداء 3/265.
2 ابن هشام1/618، أبو الفداء 3/265.