غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمدًا صلى الله عليه وسلم بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} (الأنفال آية 11) .
وجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهورًا بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام قائلًا:"يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشرت بالرأي"ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل1 حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء
وتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.
وبنى المسلمون عريشا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن
ووقف أبو بكر بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد"اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض".
وما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه, وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له:"يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك"2.
1 ابن هشام 1/620، أبو الفداء 3/267 عن ابن إسحاق.
2 أبو الفداء 3/272، 275. فتح الباري 7/278، الروض الأنف 5/98-130.