الصفحة 501 من 611

ابن قزمان وقواعد الزجل أول اعتراف نقدي بشعر عامي

وقد استعار ابن قزمان (- 555) إمام الزجالين بالأندلس بعض القواعد النقدية التي أجريت على القصيد، فطبقها على الزجل، إما بطريق المقايسة أو القلب: فقد كان يشعر - كما شعر ابن خفاجة - بأن مقياس الجزالة لا يصلح لبعض أنواع الشعر، وهو من ثم أقل صلاحية للزجل؛ وكان من قبله من الزجالين - أو بعضهم في الأقل - ينتحي منحى القوة والمتانة، ومن أشهرهم في ذلك ابن راشد الزجال؛ ولذلك تهكم به بقوله:

زجلك يا ابن راشد قوي متين ... وإن كان هُ للقوة فالحمالين (يعني إن كان مرجع الأمور إلى القوة، فإن الحمالين أقوياء، ولكن هل هذه القوة تعلي من شأنهم؟) ؛ ولذلك دعا ابن قزمان إلى اعتماد الزجل على"انسياب الطبع وسهولة الألفاظ"أي إلى اكتساء الزجل عامة بالرقة. وعاب متقدمي الزجالين بأنهم يأتون بمعان باردة وأغراض شاردة: وأثنى من بينهم على ابن نمارة"فإنه نهج الطريق، وطرق فأحسن التطريق، وجاء بالمعنى المضيء والغرض الشريق: طبع سيال، ومعان لا يصحبه بها جهل الجهال، ويتصرف بأقسامه وقافيه تصرف البازي بخوافيه، ويتخلص من التغزل إلى المديح، بغرض سهل وكلام مليح" (1) . وأكثر ما أعجبه في ابن نمارة طريقته في حكاية التصوير بألفاظ صوتية كقوله"طاق في خدي وبف في القنديل"فلفظة"طاق"صوت القبلة، ولفظة"بف"صوت النفخ لإطفاء الشعلة، وكان ابن قزمان يعني أن هذا اللون من التعبير يجعل الزجل أدق في نقل الحياة الواقعية الشعبية؛ ولكنه أثنى عليه أيضًا لاستخدامه الصور المجسمة من مثل"وجا الليل وامتد مثل القتيل"؛ فدل بذلك على امتيازه في قوة التخيل.

(1) اللوحة الثانية من مقدمة الديوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت