الصفحة 545 من 611

معاني الشعر في اغلبها جمهورية

قرر حازم وحدة المنبع في الشعر حين رده كله إلى أصل واحد، وجعله وليد حركات النفس، ولكن هذه الحركات النفسية تشتمل على ثلاثة عناصر (1) العوامل المحركة (2) المتحركين (3) العوامل المتحركة والمتحركين معًا؛ وعلى هذا لا تعدو معاني الشعر أن تكون وصفًا للحركات أو وصفًا لأحوال المتحركين أو وصفًا لأحوال الاثنين معًا (والثالث هو الأكمل) (1) . ولما كانت الغاية الكبرى من المعاني الشعرية (أو من الأقاويل الشعرية في صورتها المكتملة) هي إحداث التأثير والانفعال في النفوس الإنسانية بحيث تحمل على عمل شيء أو اعتقاده أو تجنبه. كانت أدخل المعاني في الصناعة الشعرية وأعرقها فيها هي ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان، واشتركت في قبولها (أو النفور منها) نفوس الخاصة والعامة (2) بحكم الفطرة أو العادة؛ وذلك أن تجمع المعاني بين أن تكون معروفة ومؤثرة في آن معًا، أو أن تصبح مؤثرة بعد أن تعرف. وأحسن الأشياء التي تجمع المعرفة والتأثير معًا هي ما فطر الناس على استلذاذه أو التألم منه، وهذا يعني أن الشعر من هذه الناحية يتناول: (1) ما هو مفرح كلقاء الأحبة واجتلاء الروض والماء (2) وما هو مفجع كالفرقة (3) وما هو مستطاب كلذة انصرفت يتلذذ الإنسان بذكراها؛ هذه الأمور تتصور بالفطرة، ولذلك يمكن أن نسميها"المتصورات الأصيلة"ويقابلها"المتصورات الدخيلة"وهي التي لا يوجد لها في نفوس الجمهور أثر لفرح أو ترح أو شجو، وإنما هي مكتسبة، كتلك الأغراض التي تستمد

(1) منهاج: 13.

(2) استدرك حازم على هذا بقوله"فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس له كبير علقة"وحجته أن نجاح المحاكاة هو وحده الذي يقرر حقيقة الشعر، وكأني به يفرق هنا بين ما هو شامل وبين ما هو خاص التأثير، كلاهما شعر، ولكن الأول أكثر علقة بأكبر عدد من الناس ومن النفسيات (أنظر ص 21 من منهاج البلغاء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت