التَّمْيِيزِ مِنْ نِسْبَةِ أَقْرَبَ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ الْقُرْبُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وَضَمِيرُ"بِهِ"عَائِدٌ إِلَى"عِيسَى"قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَهُوَ يُفِيدُ فَائِدَةَ صِلَةِ الْقُرْبِ الَّتِي هِيَ"مِنْ"أَوْ"إِلَى"أَنْ يُقَالَ: قَرُبَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، وَقَالَ الْعِصَامُ: صِلَةُ الْقُرْبِ مَحْذُوفَةٌ أَيْ إِلَيْهِ أَوْ مِنْهُ، وَحَذْفُهَا شَائِعٌ ذَائِعٌ، وَجَعْلُ الْبَاءِ صِلَةَ الْقُرْبِ عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى وَصِلَةُ شَبَهًا مَحْذُوفَةٌ تَعَسُّفٌ، انْتَهَى. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ شَبَهًا حَالٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: قَدَّمَ الظَّرْفَ عَلَى الْعَامِلِ لِلِاخْتِصَاصِ تَأْكِيدًا لِإِضَافَةِ"أَفْعَلَ"إِلَى"مِنْ"أَيْ كَأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا، فَتَأَمَّلْ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (عُرْوَةُ) : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. (ابْنُ مَسْعُودٍ) : أَيِ الثَّقَفِيُّ، شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِفِ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الرُّجُوعِ فَرَجَعَ فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا، رَمَاهُ وَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ عِنْدَ تَأْذِينِهِ بِالصَّلَاةِ أَوْ حَالَ
دُعَاءِ قَوْمِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ:"مَثَلُ عُرْوَةَ مَثَلُ صَاحِبِ يَسِينَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ فَقَتَلُوهُ"وَحِلْيَةُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ تُضْبَطْ، وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ فَلَا يَحَصُلُ لَنَا الْمَعْرِفَةُ بِحِلْيَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:"فَإِذَا هُوَ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ أَيْ حَمَّامٍ"، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ"فَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حُمْرَةٌ وَأُدْمَةٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي الْغَايَةِ فَوَصَفَهُ تَارَةً بِالْحُمْرَةِ وَتَارَةً بِالْأُدْمَةِ وَبِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّؤْيَا وَالْحِلْيَةِ فِي الْأَوْقَاتِ وَبِأَنَّ السُّمْرَةَ لَوْنُهُ الْأَصْلِيُّ وَالْحُمْرَةَ لِعَارِضٍ نَصَبَ وَنَحْوِهِ، وَبِأَنَّهُ زَيْفٌ حَدِيثُ الْحُمْرَةِ بِإِنْكَارِ رَاوِيهِ وَتَأْكِيدِ إِنْكَارِهِ بِالْخَلْفِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ:"وَعِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ"، وَفِي رِوَايَةٍ:"أَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ مُضْطَرِبٌ"، وَالْمُضْطَرِبُ الطَّوِيلُ غَيْرُ الشَّدِيدِ وَقِيلَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ. (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ) : وَفِي رِوَايَةٍ:"وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ". (يَعْنِي نَفْسَهُ) : وَهُوَ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ مِنَ الرُّوَاةِ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ وَمُلَّا حَنَفِي، وَتَعَقَّبَهُمَا الْعِصَامُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مَقُولِ جَابِرٍ وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ مَنْ بَعْدَهُ تَكَلُّفٌ"وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَتَجْوِيزِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ بِتَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ. نَعَمْ، يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِكَوْنِهِ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِالْتِفَاتِ فِي قَوْلِهِ: (وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ) : وَفِي نُسْخَةٍ:"عَلَيْهِ السَّلَامُ"، وَعُدَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَاطِهِ مَعَهُمْ فِي تَبْلِيغِ الْوَحْيِ إِلَيْهِمْ تَغْلِيبًا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ قِصَّةٍ عَلَى"