الصفحة 294 من 312

نستطيع أن نرى في وجهات متعددة بالبيئة الصقلية تشددًا وتزمتًا ومحافظة من ناحية وانحلالًا وعدم اكتراث ومفارقة لكثير من المقاييس التقليدية، من ناحية أخرى. ولذلك ابتعدت الدراسات الفقهية واللغوية وأهدافها عن الواقع الاجتماعي فأصبحت المحافظة صبغة لها والتحرز سمة عليها، وأصبحنا نرى من مظاهر هذا التشدد المقترن بمعنى التدين، أخذ الفقهاء بالأشد من كل حكم ولزومهم المدونة لا يحيدون عنها، وقول بعضهم وقد قدم إليه تلميذه خفه ليلبسه - وكان ذلك التلميذ ممن يفتى - اصفعني به يا أبى القاسم ولا تفتني (1) . وتأليف الكتب اللغوية في رد اللغة إلى مقياس واحد هو الفصحى وعدم إقرار اللهجة المحلية، وفي هذا الجو ألف كتاب تثقيف اللسان. بينا كان الواقع الاجتماعي يسير مع طبيعته في التكلم باللهجة المحلية أو الكتابة بها أحيانًا، ويرى أن الضرورة لا تمنع الزواج من المسيحية على أن يقتسم الأولاد بين الأب والأم فما كان من ذكر فهو للزوج وما كان من أنثى فهو لها. وقد سرى مبدأ التشدد إلى الشعر حتى ليقول ابن حمديس (2) :

خذْ بالأشد إذا ما الشرعُ وافقهُ ... ولا تملْ بك في أهوائك الرخصُ

ولا تكنْ كبني الدنيا رأيتهمُ ... إن أدبرت زهدوا أو أقبلت حرصوا ولا تستغرب هذه الدعوة من شاعر دنيوي فإنها تمثل أيضًا ذلك التباين بين الواقع والمثل الأعلى.

هذا من حيث التشدد، أما ما قد نسميه انحلالا فقد كان يشمل جوانب عدة - كان يشمل الخروج على مبادئ الخلق والعقيدة واللغة وقد وصف لنا ابن حوقل انحلالا واضحًا في أخلاق طبقات من الناس يعيشون في رباطات مليئة بالفساد على شاطئ البحر، ورأينا كذلك بعض من يفهمون الدين كما يوافق حالهم، أما في اللغة فقد تحدث ابن حوقل إلى رجل صقلي بعد أن سمع الخطيب

(1) ترتيب المدارك: وجلد 2 الورقة 157 والترجمة رقم 157 من مجموعة الشعر.

(2) الديوان: القصيدة رقم 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت