الصفحة 1256 من 1990

وأما الإرادة الشرعية الأمرية فمثل قول الله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] أي: شرع لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] ويقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:26] يقول: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6] فلم يرد الله لنا شرعًا أن نقع في حرج، لكن قد نقع فيه قدرًا كونيًا.

فالله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أراد كونًا وقدرًا أن أبا لهب وفرعون لا يؤمنان، بل يكونان كافرين، وأراد منهما شرعًا وأمرًا أن يؤمنا، وجاءت لهما البراهين والبينات من موسى عَلَيْهِ السَّلام ومُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكفرفرعونوأبو لهب بهذه الآيات وبهذا النور المبين، فاستحق كل منهما عذاب الله ولم تتحقق فيهما الإرادة الشرعية؛ لأنها من فعل العبد، فلا يلزم أن تتحقق ولا أن تقع، وإنما له الخيار أن يفعل فيدخل الجنة، أو أن يعصي فيدخل النار، فوقع منأبي لهب وفرعون اختيار الكفر، أما المؤمن كأبِي بَكْرٍ وعُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- فإن الله تَعَالَى أراد لهم الهداية كونًا وقدرًا وكتب عنده في اللوح المحفوظ أنهما يكونان مؤمنين قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فلما بعث الله نبيه محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلب منهما طلبًا وشرعًا أن يؤمنا فآمنا، فتحققت فيهما إرادة الله الكونية التي لا يقع شيء إلا وفقها ومقتضاها، وتحققت الإرادة الشرعية التي هي محل اختيار العبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت